تبرورة: قراءة هادئة في أرقام أكبر مشروع عمراني في تاريخ صفاقس…حاسم كمّون
على امتداد أكثر من ثلاثين سنة، بقى مشروع تبرورة رمز للأمل. مشروع كان المفروض يرجّع المدينة لبحرها، يخلق واجهة بحرية عصرية، ويحوّل مئات الهكتارات من الأراضي المستصلحة إلى قطب سكني وسياحي واقتصادي جديد.
أما اليوم، وبعد سنوات طويلة من الانتظار، يحقّ للناس ان تطرح سؤال بسيط: قداش من الأرض مازال فعلاً قابل للاستغلال والبناء؟
المعطى المعروف هو أن مشروع تبرورة يمتد على حوالي 420 هكتار تم استصلاحها بعد إزالة التلوث وإعادة تهيئة الساحل.
لكن الـ420 هكتار هاذي موش الكلها مخصصة للبناء.
فمنذ البداية تم تخصيص أجزاء هامة منها للفضاءات الخضراء، الشواطئ، الكورنيشات، والفضاءات العمومية المفتوحة.
وبعد طرح هالمساحات، تصبح المساحة الخام القابلة للتهيئة العمرانية في حدود 280 هكتار تقريباً.
الوثائق المرجعية الأولى للمشروع كانت تتحدث عن توزيع الأرض بين عدة استعمالات:
مناطق سكنية.
مناطق سياحية وترفيهية.
مناطق تجارية وخدمات.
تجهيزات عمومية.
ووفق هذه الوثائق، فإن الجزء الأكبر كان موجهاً للسكن، بينما تتوزع بقية المساحات بين الأنشطة الاقتصادية والخدماتية.
بمعنى آخر، حتى في أفضل السيناريوهات، لم تكن كل أرض تبرورة مخصصة للبيع العقاري أو للبناء السكني.
خلال السنوات الأخيرة، تم تنفيذ جزء هام من مشروع المدخل الشمالي الجنوبي لمدينة صفاقس.
هذا المشروع يمر داخل المجال الترابي لتبرورة، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول تأثيره على المساحات المتاحة للتطوير العقاري.
فالطرقات، والمفترقات، والحواجز الفنية، ومناطق الحماية المحيطة بها تستهلك بطبيعتها مساحات مهمة من الأراضي.
وهنا يصبح من الضروري تحديث الخرائط والأرقام الأصلية للمشروع لمعرفة المساحات التي بقيت فعلياً متاحة للاستثمار مقارنة بما كان مبرمجاً قبل أكثر من خمسة عشر عاماً.
المشكل الحقيقي اليوم ليس في وجود الطريق أو عدمه.
السؤال الأهم هو:
ما هي المساحة الصافية المتبقية فعلياً للتطوير؟
كم بقي من الأراضي السكنية؟
كم بقي من الأراضي السياحية؟
وما هي القيمة الاقتصادية الحالية للمشروع بعد كل التغييرات التي طرأت عليه؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها إلا عبر نشر مخطط محيّن ورسمي يوضح الوضعية الحالية لتبرورة بالأرقام الدقيقة.
مشروع تبرورة ليس مشروعاً عادياً.
إنه أكبر عملية تهيئة ساحلية وعمرانية عرفتها صفاقس منذ عقود، وقد استثمرت فيه الدولة موارد مالية وتقنية كبيرة.
لذلك من حق المواطنين، والمستثمرين، والفاعلين الاقتصاديين معرفة الصورة الحقيقية للمشروع اليوم:
ما الذي تحقق؟
ما الذي تغير؟
وما هي المساحات المتبقية فعلاً للتنمية؟
لأن نجاح تبرورة لا يقاس فقط بعدد الهكتارات التي تم ردمها أو تهيئتها، بل بقدرتها على خلق مدينة جديدة تنفتح على البحر وتعيد لصفاقس مكانتها الاقتصادية والعمرانية التي تستحقها.





