تونس بلد الزيتون… فكيف أصبح زيت الزيتون غائباً عن مائدة التونسي؟..بقلم : محمد جمال الشرفي.
هناك مفارقة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً: تونس بلد الزيتون، بلد الأشجار الممتدة على مساحات شاسعة، وبلد الزيت الذي ارتبط اسمه بتاريخه وأرضه ومناخه. ومع ذلك، يطرح الواقع سؤالاً محيراً: كيف يمكن لبلد يمتلك هذه الثروة الطبيعية أن يجد جزء من سكانه أنفسهم بعيدين عن استهلاك زيت الزيتون، وأن يتجهوا إلى زيوت نباتية أخرى، بعضها مهدرج أو مكرر؟
بحسب الأرقام المتداولة، تضم تونس نحو 120 مليون شجرة زيتون، ويبلغ عدد سكانها قرابة 12 مليون نسمة. وإذا قسمنا عدد الأشجار على عدد السكان، فإننا نحصل على عشر أشجار زيتون تقريباً لكل مواطن، وليس 120 شجرة كما قد يوحي الرقم المتداول. ومع ذلك، تبقى النسبة لافتة، خصوصاً إذا تخيلنا أن لكل عشرة أشخاص ما يعادل مئة شجرة زيتون، وأن هذه الأشجار جزء من ثروة وطنية متجددة كان يفترض أن يكون أثرها واضحاً في حياة الناس اليومية.
لكن امتلاك الثروة لا يعني بالضرورة أن المواطن يستفيد منها. فقد تكون الأرض غنية، والإنتاج وفيراً، ومع ذلك يجد المستهلك صعوبة في شراء منتج بلده. وهنا يجب أن نميز بين ثلاثة أمور: حجم الإنتاج، وسعر البيع في السوق المحلية، وقدرة المواطن الشرائية. فالمشكلة ليست بالضرورة في غياب الزيت، بل قد تكون في طريقة إنتاجه وتسويقه وتوزيعه، وفي العلاقة بين أسعار التصدير ودخل المستهلك التونسي.
ثروة مطرية لا تحتاج إلى بحار من المياه
ما يجعل التجربة التونسية أكثر إثارة للاهتمام هو طبيعة زراعة الزيتون نفسها. فخلافاً لزراعات تحتاج إلى كميات كبيرة من مياه الري، تأقلمت أشجار الزيتون في وسط تونس وجنوبها مع المناخ شبه الجاف والجاف، وأصبحت مساحات واسعة منها تعتمد على مياه الأمطار، وهو ما يعرف بالزراعة البعلية.
وتشير دراسات حول القطاع الفلاحي التونسي إلى أن نحو 95% من غراسات الزيتون التقليدية كانت تعتمد على الأمطار، وفق معطيات تاريخية، مع اختلاف النسب حسب المنطقة وطريقة الغراسة. وهذه ميزة مهمة في بلد يعاني من شح الموارد المائية. فالزيتونة ليست شجرة تحتاج إلى السقي المستمر حتى تعيش، بل تمتلك قدرة كبيرة على مقاومة الجفاف بفضل جذورها العميقة وآليات تكيفها مع نقص المياه. لكنها، رغم ذلك، ليست شجرة لا تحتاج إلى الماء إطلاقاً؛ فكمية الأمطار وتوزيعها خلال السنة يؤثران مباشرة في نموها وحجم إنتاجها.
ولعل جمال هذه الثروة يكمن في أن تونس استطاعت أن تجعل من أرض لا تتميز بوفرة المياه فضاءً واسعاً لإنتاج الزيتون. إنها أشبه بمن يزرع شجرة قادرة على العيش في ظروف صعبة، ويستخرج منها ثروة اقتصادية وغذائية دون أن يستهلك الموارد المائية كما تفعل محاصيل أخرى.
لكن ينبغي هنا تصحيح فكرة مهمة: الزيتون البعلي ليس نوعاً نباتياً منفصلاً عن الزيتون السقوي، بل هو وصف لطريقة الزراعة ومصدر المياه. كما أن تونس ليست البلد الوحيد الذي ينتج زيتوناً بعلياً؛ فهذه الممارسة موجودة في بلدان متوسطية أخرى أيضاً.
وتملك تونس بالفعل رصيداً متنوعاً من الأصناف المحلية، أبرزها الشملالي والشّتوي، إلى جانب الوسلاتي والزرازي والزلماتي والجرقومي وغيرها. ولكل صنف خصائصه من حيث المناخ الذي يناسبه، ومذاق زيته، وقدرته على تحمل الجفاف، ومردوديته. وهذه الثروة الوراثية ليست مجرد أسماء محلية، بل هي رصيد فلاحي يمكن أن يمنح تونس تميزاً في الأسواق العالمية إذا أحسنت المحافظة عليه وتثمينه.
هل تونس فعلاً ثالث أكبر منتج في العالم؟
هذا السؤال يحتاج إلى بعض التدقيق، لأن ترتيب الدول المنتجة لزيت الزيتون يتغير من موسم إلى آخر، بحسب الأمطار والجفاف وكمية المحصول.
فإسبانيا تتصدر الإنتاج العالمي في مواسم عديدة، بينما تتنافس تونس وإيطاليا وتركيا واليونان على المراكز التالية. ولذلك لا يمكن القول إن تونس تحتل المرتبة الثالثة دائماً، كما لا يصح اعتماد ترتيب موسم واحد باعتباره ترتيباً ثابتاً.
والأرقام الرسمية المنشورة عبر الديوان الوطني للزيت لموسم 2024-2025 قدّرت الإنتاج التونسي بنحو 329 ألف طن من زيت الزيتون. وفي المقابل، أظهرت بيانات المجلس الدولي للزيتون أن الإنتاج الإسباني بلغ نحو 1.419 مليون طن في الموسم نفسه. أما تقديرات موسم 2025-2026 المنشورة في سبتمبر 2026، فقد رفعت الإنتاج التونسي المتوقع إلى نحو 500 ألف طن، وهو ما يضع تونس في موقع متقدم جداً بين المنتجين العالميين.
أما رقم عدد الأشجار، فليس مجرد مبالغة متداولة؛ فقد أوردت تقارير تونسية حديثة وجود أكثر من 120 مليون شجرة، بينما أشار تقرير وطني حول الانبعاثات إلى 112 مليون شجرة سنة 2022، ثم نشرت معطيات في سبتمبر 2026 تتحدث عن أكثر من 147 مليون شجرة. وهذا الاختلاف يعكس تطور الغراسات واختلاف السنوات ومصادر الإحصاء، ولذلك ينبغي ذكر سنة الإحصاء ومصدره عند استعمال الرقم.
لماذا تثمر شجرة الزيتون سنة وترتاح في السنة الأخرى؟
من الخصائص المعروفة في زراعة الزيتون ما يسمى بتناوب الإنتاج، أي أن الشجرة قد تعطي محصولاً وفيراً في سنة، ثم ينخفض إنتاجها في السنة التالية، قبل أن تعود إلى الإنتاج بقوة. وتسمى هذه الظاهرة علمياً «المعاومة» أو الإنتاج المتناوب.
لكن من المهم ألا ننسب هذه الظاهرة إلى قلة المياه وحدها، أو نعتبرها خاصية حصرية للزيتون التونسي. فهي موجودة في أصناف الزيتون في بلدان كثيرة، وتتأثر بطبيعة الصنف، وحجم المحصول السابق، والتقليم، والتغذية، والظروف المناخية. وهناك أصناف تونسية معروفة بهذه الخاصية، مثل بعض سلالات الشملالي والزرازي والشتوي.
والأمر الذي يستحق الاهتمام هو أن الفلاح التونسي ورث خبرة طويلة في التعامل مع هذه الشجرة، وفهم إيقاعها الطبيعي، وتكيف مع تقلبات الأمطار والمواسم. لكن هذا لا يمنع من تطوير أساليب التقليم والتسميد وإدارة التربة لتحسين الإنتاج وتقليل التفاوت بين السنوات.
المفارقة الكبرى: تونس تنتج الزيت وتستورد زيوتاً أخرى!
هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية، وربما الأكثر إحراجاً: لماذا لا يكون زيت الزيتون هو الزيت الأساسي على مائدة التونسيين، رغم أن بلادهم من كبار المنتجين العالميين؟
المعطيات المنشورة في يناير 2026، استناداً إلى إجابة وزير الفلاحة عن سؤال برلماني، تشير إلى أن استهلاك التونسي من زيت الزيتون لا يتجاوز نحو ثلاثة لترات سنوياً، وأن الاستهلاك المحلي يمثل في المتوسط ما بين 15 و20% من الإنتاج الوطني.
وتشير بيانات منشورة عن سوق الزيوت الغذائية في تونس إلى الاعتماد الكبير على زيوت الصويا والنخيل، في مقابل محدودية حصة زيت الزيتون من الاستهلاك. والسبب الأساسي الذي يفسر هذه المفارقة هو السعر، إذ أصبح زيت الزيتون بالنسبة إلى شرائح من التونسيين منتجاً مرتفع التكلفة، في حين تتوفر زيوت نباتية أخرى بأسعار أقل، وتستفيد بعض أنواعها من منظومة الدعم.
وهنا يجب أن نطرح السؤال بطريقة مختلفة: هل من الطبيعي أن يتحول منتج فلاحي أساسي في هوية البلاد إلى سلعة يصعب على بعض أبنائها اقتناؤها بانتظام؟
تخيل أن شخصاً يمتلك بستاناً من أشجار الزيتون، لكنه يضطر إلى شراء الزيت من جاره لأنه لا يستطيع تحمل تكلفة الزيت الذي ينتجه بستانه. هذه الصورة تختصر جزءاً من المشكلة التونسية.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نضع كل الزيوت النباتية في سلة واحدة، وألا نعتبر أن جميع الزيوت المستوردة مهدرجة. فزيت الصويا أو النخيل ليس بالضرورة زيتاً مهدرجاً، والهدرجة عملية صناعية محددة تختلف عن مجرد تكرير الزيت. ومن المهم معرفة نوع الزيت وتركيبته وطريقة معالجته قبل إطلاق الأحكام عليه.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود زيوت أخرى في السوق، وإنما في أن يصبح المواطن عاجزاً عن الوصول إلى ثروة بلاده، بينما تتحول هذه الثروة إلى منتج موجه أساساً للأسواق الخارجية.
هل التصدير نجاح اقتصادي إذا لم يستفد منه المواطن؟
قد يقول المدافعون عن سياسة التصدير إن تونس تحتاج إلى العملة الصعبة، وإن بيع زيت الزيتون للخارج يوفر موارد مهمة للاقتصاد الوطني، ويدعم الفلاحين والمؤسسات العاملة في القطاع. وهذا كلام له وجاهته، فلا يمكن لبلد يعاني من صعوبات اقتصادية أن يتجاهل أهمية الصادرات.
لكن هناك سؤالاً مقابلاً لا يقل أهمية: هل ينبغي أن يكون التصدير على حساب القدرة الشرائية للمواطن؟
ليس المطلوب أن تتوقف تونس عن تصدير زيت الزيتون، ولا أن تغلق أسواقها الخارجية، وإنما أن تحقق توازناً بين مصالح الفلاح والمصدر والمستهلك. فالدولة التي تنتج ثروة غذائية استراتيجية يجب أن تفكر في كيفية جعلها متاحة لمواطنيها أيضاً.
ومن حق الفلاح أن يبيع إنتاجه بسعر يضمن له الربح والاستمرار، ومن حق المصدر أن ينافس في الأسواق العالمية، لكن من حق المستهلك كذلك أن يجد زيت بلاده بسعر يتناسب مع قدرته الشرائية.
وهنا تظهر أهمية سياسات التخزين والتعليب والتوزيع، ودعم صغار المنتجين، وتطوير البيع المباشر، وتشجيع استهلاك الزيت المحلي. كما أن تصدير الزيت في شكل سائب، بدلاً من تعليبه وتسويقه بعلامات تونسية قوية، يطرح سؤالاً آخر حول القيمة المضافة التي تخسرها البلاد.
الثروة الحقيقية ليست في عدد الأشجار وحده
إن الحديث عن 120 أو 147 مليون شجرة زيتون لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد تفاخر بالأرقام. فالشجرة وحدها لا تصنع الثروة، مثلما أن امتلاك منجم لا يعني بالضرورة أن سكان المنطقة يعيشون في رفاه.
الثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه الأشجار إلى دخل مستقر للفلاح، وفرص عمل للشباب، وصناعة تحويلية متطورة، وعلامات تجارية تونسية معروفة، ومنتج غذائي متاح للمواطن بأسعار معقولة.
وتونس تمتلك مقومات مهمة لتحقيق ذلك. لديها أصناف محلية متأقلمة مع المناخ، ومساحات واسعة من الزراعات البعلية، وخبرة تاريخية في إنتاج الزيت، وموقع جغرافي قريب من أهم الأسواق الاستهلاكية. لكن هذه المقومات تحتاج إلى رؤية اقتصادية تجعل من زيت الزيتون مشروعاً وطنياً متكاملاً، لا مجرد محصول موسمي ننتظر صابته كل سنة.
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: كم مليون شجرة زيتون تمتلك تونس؟ بل: كم قيمة مضافة تحققها كل شجرة؟ وكم يستفيد منها الفلاح؟ وكم يستطيع المواطن شراءه من زيت بلاده؟ ولماذا لا تصبح العلامات التونسية حاضرة بقوة في الأسواق العالمية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المادة الخام؟
تونس لا ينقصها الزيتون، ولا تنقصها الأرض التي تحتضنه، ولا ينقصها التاريخ الذي يربطها بهذه الشجرة. ما تحتاج إليه هو أن تتحول هذه الثروة من مجرد رقم نفخر به إلى منفعة اقتصادية وغذائية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
فليس من المنطقي أن تكون شجرة الزيتون رمزاً للوفرة والصمود في تاريخ تونس، ثم يصبح زيتُها بالنسبة إلى جزء من التونسيين منتجاً يقتصدون في شرائه.
إن قيمة الثروة لا تقاس بما ننتجه فقط، بل بما نستطيع أن نصنعه منها، وبما يصل منها إلى بيوت الناس.
ملاحظة تحريرية: اعتمدت في تصحيح الأرقام على معطيات الديوان الوطني للزيت، والمجلس الدولي للزيتون، وبيانات رسمية منشورة عن عدد الأشجار والاستهلاك المحلي. والأفضل عند نشر المقال إبقاء الأرقام مرتبطة بمواسمها، لأن إنتاج الزيتون وترتيب الدول يتغيران من سنة إلى أخرى.




