التجارة الإلكترونية في تونس: بين حرية البيع وحق المواطن في الحماية من الغش … محمد جمال الشرفي.

التجارة الإلكترونية في تونس: بين حرية البيع وحق المواطن في الحماية من الغش … محمد جمال الشرفي.

2 نوفمبر 2026، 20:45

لم تعد التجارة الإلكترونية اليوم مجرد وسيلة إضافية للتسوق، بل أصبحت ظاهرة تجارية واسعة الانتشار، خاصة عبر القنوات التلفزية ومواقع التواصل الاجتماعي. فقد أصبح المواطن قادراً على اقتناء مختلف السلع دون مغادرة منزله، وبضغطة زر واحدة. ولا شك أن هذا التطور يمثل جانباً إيجابياً من تطور المعاملات التجارية، ويوفر فرصاً جديدة للتجار والحرفيين وأصحاب المشاريع الصغرى.
ومن موقعي كمواطن عادي، أؤكد أنني لست ضد التجارة الإلكترونية، ولا ضد المبادرات الفردية التي تعتمد على البيع عبر الإنترنت، بل أعتبرها شكلاً من أشكال التطور الاقتصادي الذي يستحق التشجيع. لكن تشجيع هذه المبادرات لا يعني ترك المواطن وحيداً أمام ممارسات تجارية قد تفتقر إلى الشفافية والمصداقية.
فقد تعددت في السنوات الأخيرة تشكيات المواطنين الذين اقتنوا منتجات عبر هذه المنصات، ثم اكتشفوا عند استلامها أن الجودة لا تتطابق مع الصور والإعلانات المنشورة، أو أن المواصفات المعلن عنها تختلف عما وجدوه في الواقع. وهنا يطرح السؤال نفسه: من يحمي المستهلك عندما يتحول الإعلان التجاري إلى وسيلة لاستدراجه، ويصبح المنتج الذي اقتناه مخالفاً لما تم الترويج له؟
وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بالتلاعب في معلوم التوصيل. فبعض الباعة يعلنون عن أسعار محددة، ويؤكدون أن السعر المنشور هو السعر النهائي، دون الإشارة بوضوح إلى وجود مصاريف إضافية. لكن المواطن يفاجأ عند وصول الطرد إلى منزله بمطالبة بدفع سبعة أو ثمانية دنانير إضافية بعنوان معلوم التوصيل. وهنا لا يتعلق الأمر برفض دفع معلوم التوصيل في حد ذاته، فمن الطبيعي أن تكون لخدمة النقل كلفة، وإنما يتعلق الأمر بضرورة إعلام الحريف مسبقاً بالسعر الإجمالي الذي سيدفعه، حتى يكون على بينة من جميع المصاريف قبل تأكيد عملية الشراء.
فالشفافية في تحديد الأسعار ليست مسألة اختيارية، بل هي من أساسيات المعاملة التجارية السليمة، ولا يجوز أن يتحول غياب المعلومة إلى وسيلة لفرض مصاريف لم يقع توضيحها مسبقاً.
أما الإشكال الأعمق، والذي يستحق وقفة جدية، فيتعلق بمصدر هذه البضائع ومدى خضوعها للرقابة. فهل كل المنتجات التي يقع الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزية تدخل البلاد عبر المسالك القانونية؟ وهل تخضع، بحسب طبيعتها، للمراقبة والتحاليل المخبرية اللازمة للتثبت من جودتها وسلامتها ومطابقتها للمواصفات؟ أم أن بعضها يصل إلى المستهلك ويدخل إلى حياته اليومية دون رقابة كافية؟
إن الأمر هنا يتجاوز مجرد خلاف بين بائع ومشترٍ حول جودة سلعة أو معلوم توصيل، ليصبح مسألة مرتبطة بحماية صحة المواطن وسلامته وحقوقه الاقتصادية. فهناك فرق كبير بين بيع منتج لم يرقَ إلى مستوى توقعات الحريف، وبين ترويج منتج قد يشكل خطراً على صحته بسبب غياب شروط السلامة أو عدم احترام المواصفات القانونية.
ومن المهم ألا نضع جميع الباعة في السلة نفسها، فهناك من يمارس نشاطه بكل شفافية ويحترم الحريف ويلتزم بالقوانين، لكن وجود هذه الفئة المحترمة لا ينفي وجود ممارسات أخرى تستوجب المتابعة والتصدي.
وهنا نصل إلى السؤال الجوهري: هل توجد في تونس منظومة قانونية وإدارية مسؤولة عن مراقبة هذا النشاط؟
الإجابة هي نعم. فالتشريع التونسي لا يترك التجارة الإلكترونية خارج إطار الرقابة القانونية، بل توجد عدة نصوص وهياكل تتولى تنظيمها وحماية المستهلك.
فالقانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلق بالمبادلات والتجارة الإلكترونية ينص في فصله الخامس والعشرين على ضرورة إعلام المستهلك، قبل إتمام عملية الشراء، بهوية البائع وعنوانه ورقم هاتفه، وخصائص المنتوج وسعره، وكذلك معلوم التوصيل والأداءات المطلوبة. وهذا يعني أن إضافة مصاريف التوصيل ليست ممنوعة في حد ذاتها، لكن إخفاءها أو عدم الإعلان عنها بوضوح قبل إتمام الشراء يتعارض مع مبدأ الإعلام المسبق الذي يفرضه القانون.
كما أن القانون عدد 117 لسنة 1992 المتعلق بحماية المستهلك يضمن حق المواطن في الإعلام الصحيح، وسلامة المنتوج، والضمان، والحصول على فاتورة، وجبر الضرر عند الاقتضاء. ويضاف إلى ذلك القانون عدد 40 لسنة 1998 المتعلق بتقنيات البيع والإشهار التجاري، الذي يشمل البيوعات عن بعد، سواء تمت عبر الهاتف أو التلفزة أو غيرها من وسائل الاتصال.
أما على مستوى الهياكل المسؤولة، فإن وزارة التجارة وتنمية الصادرات، من خلال جهاز المراقبة الاقتصادية والمصالح المختصة، تضطلع بدور أساسي في مراقبة الممارسات التجارية، والتثبت من احترام الأسعار وشروط البيع والإشهار، والتعامل مع شكاوى المستهلكين. كما تملك أعوان المراقبة صلاحيات المعاينة وحجز المنتجات وأخذ العينات وتحرير المحاضر عند وجود مخالفات.
وبالنسبة إلى المنتجات الغذائية، فإن الرقابة الصحية تدخل أيضاً ضمن اختصاصات الهيئة الوطنية للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وفق طبيعة المنتج والتراتيب المنظمة له.
لكن وجود القوانين والهياكل لا يعني بالضرورة أن الرقابة تصل بالفاعلية نفسها إلى جميع الباعة والمنصات الرقمية. وهنا تكمن نقطة النقاش الحقيقية: هل آليات الرقابة الحالية مواكبة للسرعة التي تنتشر بها التجارة عبر صفحات التواصل الاجتماعي؟ وهل توجد متابعة كافية للبائع الذي ينشط دون محل تجاري معروف، ويكتفي بصفحة إلكترونية ورقم هاتف؟
في تقديري، لم تعد المسألة تقتصر على وجود نصوص قانونية، بل أصبحت تستوجب تطوير آليات تطبيقها بما يتناسب مع التحولات الرقمية. فمن الضروري التفكير في إرساء منظومة رقابية أكثر نجاعة، تقوم على التعريف الواضح بهوية كل بائع إلكتروني ونشاطه، وإلزامه بالإعلان عن السعر النهائي شاملاً مصاريف التوصيل، وضمان إمكانية الحصول على فاتورة أو وثيقة تثبت عملية الشراء.
كما ينبغي تعزيز التنسيق بين مصالح وزارة التجارة والجهات المكلفة بالسلامة الصحية ومراقبة الجودة، حتى لا تتحول المنصات الرقمية إلى فضاء مفتوح لترويج بضائع مجهولة المصدر أو غير مطابقة للمواصفات. ومن المهم أيضاً توفير آلية سهلة للمواطن للإبلاغ عن التجاوزات ومتابعة الشكاوى، دون أن يجد نفسه مضطراً إلى الدخول في متاهة إدارية طويلة من أجل استرجاع حقه.
إن المطلوب ليس التضييق على التجارة الإلكترونية أو عرقلة أصحاب المشاريع، بل تنظيم هذا النشاط وحمايته من الممارسات التي تسيء إليه. فالتاجر الجاد يحتاج إلى سوق تحكمها قواعد واضحة، والمستهلك يحتاج إلى ضمانات تحمي أمواله وصحته، والدولة مطالبة بتحقيق التوازن بين الطرفين.
وفي هذا السياق، أعتقد أن الوقت قد حان لفتح نقاش جدي حول مدى جاهزية منظومة الرقابة في تونس لمواكبة هذا النوع من التجارة، خاصة أن البيع لم يعد يقتصر على المؤسسات والمحلات المعروفة، بل أصبح يتم يومياً عبر آلاف الصفحات والحسابات التي تصل إعلاناتها إلى ملايين المستخدمين.
وفي الختام، أطرح هذه التساؤلات للنقاش أمام الجهات المعنية والرأي العام:
هل تخضع صفحات البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى رقابة فعلية ومنتظمة من مصالح وزارة التجارة؟ ومن يتحمل مسؤولية مراقبة جودة وسلامة المنتجات التي يقع ترويجها وبيعها عبر هذه الوسائل؟ وما هي الإجراءات المتخذة ضد الباعة الذين يعلنون عن أسعار غير واضحة أو يخفون مصاريف إضافية إلى حين تسليم البضاعة؟ وهل توجد خطة وطنية لمراقبة هذا النشاط وحماية المستهلك من التجاوزات؟
لسنا ضد التجارة الإلكترونية، ولسنا ضد حرية المبادرة والاستثمار، بل نريد تجارة إلكترونية منظمة وشفافة، تقوم على الثقة والاحترام المتبادل.
فكما أن من حق التاجر أن يبيع ويربح، فمن حق المواطن أيضاً أن يعرف ماذا يشتري، وكم سيدفع، وما مدى سلامة وجودة ما يصل إلى منزله.
لأن التطور الاقتصادي لا يُقاس فقط بسرعة البيع واتساع الأسواق، وإنما أيضاً بمدى احترام حقوق المستهلك وحمايته.
مراجع رسمية للاطلاع والتوثيق

مواضيع ذات صلة