لماذا لم يصدر تقرير الفصل الرابع لصندوق النقد عن تونس منذ خمس سنوات؟

لماذا لم يصدر تقرير الفصل الرابع لصندوق النقد عن تونس منذ خمس سنوات؟

4 سبتمبر 2026، 18:00

الجواب على هذا السؤال نجده في وثيقة رسمية من ثلاث صفحات نشرها صندوق النقد الدولي يوم الثالث عشر من أوت الماضي. لا تحليل فيها ولا توصيات ولا توقّعات: جدول واحد، وملحق يشرح مصطلحاته. والجدول يضمّ الدول الأعضاء التي تأخّرت مشاورتها الدورية مع الصندوق (في تاريخ 30 جوان 2026) أكثر من ثمانية عشر شهرًا عن أجلها المحدّد. وفيه سطر يتيم عن تونس، لكنه مليء بالدلالات.
في الجدول أربعة أعمدة أمام كلّ دولة: تاريخ آخر مشاورة أُنجزت، والأجل الذي كان محدّدًا للمشاورة الموالية، والسبب الرئيسي للتأخير، وعدد الأشهر.
وبالنسبة لتونس: آخر مشاورة أُنجزت في السابع عشر من فيفري 2021. والأجل المحدّد للمشاورة التالية كان أقصاه السابع عشر من ماي 2022 (تأخير بـ 49 شهرا). والسبب المسجَّل للتأخير: بطلب من السلطات التونسية.
ولهذه العبارة تعريف دقيق، لا يُترك للتأويل. فالصندوق يصنّف أسباب التأخير في ملحق الوثيقة ضمن ثماني فئات معلنة: مسائل مرتبطة ببرنامج، ومناقشات إضافية، ووضع سياسي أو أمني غير مستقرّ، وتغيير حكومي، وقيود في الموارد البشرية، وطلب من السلطات، وعدم الاتّفاق على مواعيد البعثة أو صيغها، وأسباب متفرّقة.
وفئة تونس معرَّفة تعريفًا إداريًّا خالصًا: تأخُّرٌ بطلب من السلطات، بسبب تعذّر استضافة البعثة نظرًا لجدول أعمالها مثلًا. سبب يبدو إداريا لكن تواصله لمدة خمس سنوات منذ آخر مراجعة يجعلنا نطرح التساؤل لمحاولة فهم ما يترتّب عليه.
وقبل ذلك، مهم التذكير بأن مشاورة الفصل الرابع التزام قائم في عضوية الصندوق نفسها بقطع النظر عن الاقتراض من عدمه من الصندوق، تخضع له الدول الأعضاء كلّها. الولايات المتحدة وألمانيا واليابان لا تقترض من الصندوق شيئًا، وتُنجز مشاورتها كلّ سنة ويُنشر تقريرها. فالمسألة هنا ليست برنامجًا ولا قرضًا ولا شروطًا. المسألة وثيقة رقابية دورية.
ونشر القائمة نفسه ليس مبادرة من الصندوق ولا تعليقًا منه على أحد. هو تنفيذ لقرار مجلسه التنفيذي عدد 15106، الصادر سنة 2012، الذي يضبط ما يجري عند تأخّر المشاورة عن موعدها.
ثلاث خطوات، تتلو الواحدة الأخرى. بعد اثني عشر شهرًا من التأخير، يوجّه المدير العامّ إشعارًا كتابيًّا إلى الدولة المعنية، ويتكرّر كلّ سنة. وبعد ثمانية عشر شهرًا، يُدرج اسمها في قائمة تُنشر على الموقع العلني مرّتين في السنة. وعند المدّة نفسها، يُعرض اقتصادها على المديرين التنفيذيين في جلسة إحاطة غير رسمية، تُبنى على المعلومات المتاحة للعموم. وقد عُقدت جلسة من هذا النوع بشأن تونس يوم التاسع من أفريل الماضي.
والمثير أنّ غياب المراجعة لا يعني غياب المعطيات الإحصائية. فالجهاز الإحصائي الوطني يشتغل: البنك المركزي ينشر مؤشّراته شهريًّا، ووزارة المالية تنشر نتائج تنفيذ الميزانية، والمعهد الوطني للإحصاء يواصل مسوحاته. والصندوق نفسه ما زال يورد تقديراته لتونس في تقاريره الدورية، وآخرها نموّ بـ 2.1 في المائة وتضخّم بـ 6.5 في المائة لسنة 2026. وهي تقديرات مبنيّة على ما هو منشور ومعلوم.
وما الذي غاب إذن؟ يكفي لمعرفته أن يُفتح آخر تقرير صدر، وهو التقرير القُطري عدد 21/44، المنشور في السادس والعشرين من فيفري 2021.
فيه ملحق كامل لتحليل استدامة الدين. وفيه سيناريو متوسّط المدى يرسم مسارَي العجز والدين سنةً بعد أخرى. وفيه رسم بياني للديون المتقاطعة للمنشآت العمومية، منسوبة إلى الناتج. وفيه بيان للمدير التنفيذي عن تونس، يُنشر فيه موقف الجانب التونسي إلى جانب تقدير الصندوق.
فالوثيقة الغائبة لم تكن صوت الصندوق وحده، بل كذلك صوت تونس في العالم.
كانت تصدر كلّ سنة، ولم تصدر منذ خمس سنوات. وحيث يغيب الحَكَم تتكاثر الأرقام، ويغلب أوسعُها انتشارًا أمتنَها إسنادًا.
وما الذي كان يقع لولا التأجيل؟ فريق فنّي من الصندوق يزور البلاد، ويجمع المعطيات الاقتصادية والمالية، ويناقش المسؤولين في الوضع الاقتصادي والسياسات المتّبعة. ثمّ يعود إلى واشنطن فيكتب تقريرًا يكون هو أساس نقاش المجلس التنفيذي. هذا وصف الصندوق نفسه لما يجري، يرفقه ببلاغ كلّ مشاورة ينشرها.
والبعثات تستغرق في المعتاد نحو أسبوعين. وآخر بعثة إلى تونس أنهت أعمالها في الثالث والعشرين من جانفي 2021. نظر المجلس التنفيذي في تقريرها يوم السابع عشر من فيفري، ونُشر التقرير في السادس والعشرين منه، ومعه بيان المدير التنفيذي عن تونس يعرض موقف الجانب التونسي.
شهر واحد بين انتهاء البعثة ونشر التقرير. وهذا كلّه لم يقع منذ خمس سنوات. أمّا التقدير فيصدر على كلّ حال، من الخارج، على ما هو متاح للعموم، والجديد الوحيد فيه هو أنه يصدر بدون صوت الحكومة التونسية.

مواضيع ذات صلة