إلى أين يا تونس؟….بقلم : محمد جمال الشرفي.
يعيش العالم اليوم مرحلة دقيقة تختلط فيها الأزمات المناخية بالأزمات الاقتصادية والسياسية، وتتشكل فيها أنماط جديدة من الصراع لم تكن مألوفة من قبل، من الحروب السيبرانية إلى ما بات البعض يسميه حروب المناخ والموارد. في خضم هذا المشهد العالمي المتوتر، تجد تونس نفسها أمام سؤال يتكرر مع كل أزمة اقتصادية جديدة، وهو هل ما زال الاستقراض الخارجي هو الحل الوحيد المتاح، أم أن البلاد تملك من الثروات الطبيعية والكفاءات البشرية ما يكفي لبناء مسار مختلف.
الأرقام تقول إن الملف حساس فعلا. بلغ الدين الخارجي التونسي قرابة 42 مليار دولار في نهاية سنة 2025، وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة هذا الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ستقترب من 75 بالمائة خلال سنة 2026. ومنذ توقف المفاوضات مع الصندوق سنة 2022 بسبب رفض الرئيس قيس سعيد لشروط رفع الدعم والإصلاحات المرتبطة بها، اختارت الحكومة مسارا مختلفا قوامه الاعتماد على الذات قدر الإمكان، فهي تخطط لجمع نحو ملياري يورو من الأسواق الدولية خلال سنة 2026، وتعتزم تسديد سند أوروبي بقيمة 750 مليون يورو يحل أجله في يوليو من احتياطي العملة الصعبة، إضافة إلى ترخيص البرلمان للبنك المركزي بتمويل ميزانية الدولة بما يصل إلى 7 مليار دينار بفائدة صفرية، وهو ما يشبه عمليا طباعة النقود لتغطية العجز. هذا الخيار يحفظ نوعا من السيادة على القرار الاقتصادي، لكن اقتصاديين يحذرون من أنه قد يغذي التضخم ويضعف استقلالية البنك المركزي على المدى المتوسط، فالسؤال الحقيقي ليس فقط هل تستحق تونس الاستقراض، بل هل يوجد بديل مستدام غير الاقتراض من جهة والطباعة النقدية من جهة أخرى.
وهنا يصبح الحديث عن الثروات البديلة مشروعا أكثر من أي وقت مضى. تمتلك تونس فعلا مؤهلات طبيعية نادرة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وقد رفعت الحكومة هدفها الرسمي إلى الوصول بحصة الطاقات المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 35 بالمائة بحلول سنة 2030 بعد أن كان الهدف 30 بالمائة فقط. غير أن الواقع لا يزال بعيدا عن هذا الطموح، إذ لم تتجاوز حصة الطاقات المتجددة نحو 6 بالمائة من الإنتاج الكهربائي في السنوات الأخيرة. صحيح أن هناك مشاريع بدأت تتقدم فعلا، مثل محطة القيروان الشمسية بقدرة 120 ميغاواط، ومشاريع رياح في زغوان وقبلي ونابل وقفصة، ومشاريع شمسية في تطاوين وقابس، لكن أحد أكبر المشاريع المخطط لها، وهو مشروع تينور بقدرة تقارب 2000 ميغاواط في الجنوب التونسي، موجه أساسا لتصدير الكهرباء نحو إيطاليا وأوروبا، ما يطرح سؤالا مشروعا حول الأولوية، هل تخدم هذه الثروة الشمسية أمن الطاقة الداخلي وفرص عمل الشباب أولا، أم تتحول إلى سلعة تصدير كما كان الحال مع الغاز والفوسفات من قبل. أما الطاقة الهيدروليكية التي كثيرا ما تذكر ضمن البدائل، فإمكانياتها في تونس محدودة موضوعيا بسبب غياب الأنهار الكبرى، ولا تتجاوز الطاقة المركبة من السدود اليوم 70 ميغاواط، أي أقل من واحد بالمائة من إجمالي الإنتاج الكهربائي، وهو ما يجعل الرهان الحقيقي منحصرا أكثر في الشمس والرياح لا في المياه.
الأمر يزداد تعقيدا حين نصل إلى ملف المياه الجوفية المشتركة في الصحراء. تتقاسم تونس والجزائر وليبيا ما يعرف بالنظام المائي الجوفي للصحراء الشمالية الغربية، وهو أحد أكبر الخزانات الجوفية في العالم بمساحة تفوق مليون كيلومتر مربع، غير أن توزيع هذا الخزان ليس متساويا بين الدول الثلاث، إذ يقع نحو 62 بالمائة منه تحت الأراضي الجزائرية، ونحو 30 بالمائة تحت ليبيا، بينما لا يتجاوز نصيب تونس 8 بالمائة فقط. استغلت الجزائر حصتها الكبيرة بشكل لافت في منطقة الوادي وسوف، حيث تحولت الكثبان الرملية إلى واحات نخيل ثم إلى حقول بطاطا وقمح وشعير جعلت من المنطقة قاطرة فلاحية حقيقية، حتى إن خبراء جزائريين يتحدثون اليوم عن طموح تحويل الصحراء إلى سلة غذاء إقليمية، وإن كانت هذه الطفرة نفسها بدأت تطرح مشاكل بيئية مرتبطة بارتفاع منسوب المياه الجوفية وضعف تصريف مياه الصرف. أما ليبيا فقد بنت منذ الثمانينيات مشروع النهر الصناعي العظيم، بكلفة تقارب 25 مليار دولار، لنقل المياه الأحفورية من الصحراء عبر أنابيب تمتد لأكثر من 1600 كيلومتر نحو المدن الساحلية مثل طرابلس وبنغازي، ليوفر اليوم نحو 70 بالمائة من احتياجات البلاد من المياه العذبة ويروي آلاف الهكتارات الزراعية. في المقابل، تونس ليست غائبة تماما عن هذا المشهد، فواحات قبلي وتوزر تضم اليوم أكثر من 6.5 مليون نخلة، لكن استغلالها للمياه الجوفية المتاحة تجاوز بالفعل 117 بالمائة من الطاقة المتجددة لهذه الموائد، وهو ما يعني أن المشكلة ليست غيابا كاملا عن الاستغلال بقدر ما هي غياب استثمار كبير ومخطط له يوازي حجم ما فعلته الجزائر وليبيا، رغم أن حصة تونس الطبيعية من الخزان أصغر بكثير أصلا. المؤشر الإيجابي الوحيد جاء في أفريل 2026 حين وقع رؤساء الدول الثلاث ما سمي إعلان طرابلس لإحداث آلية دائمة لمراقبة الخزان وتوزيع حصص استغلاله، وهي خطوة تفتح الباب أمام تونس للمطالبة بحصة عادلة ومستدامة، شرط أن تحسن التفاوض والاستثمار في آن واحد.
يضاف إلى هذا أن جزءا واسعا من الصحراء التونسية الجنوبية، عند المثلث الحدودي مع الجزائر وليبيا، تحول منذ سنة 2013 إلى منطقة عسكرية عازلة يمنع الدخول إليها إلا برخصة من السلطات، وذلك في أعقاب تصاعد التهديد الإرهابي وهجمات من قبيل هجوم بن قردان سنة 2016. ويجدد هذا القرار سنويا دون توقف، وآخر تمديد له كان في أوت 2026، أي بعد أكثر من 13 سنة متواصلة على إقراره. ولئن كانت المبررات الأمنية مفهومة في سياق مكافحة التهريب والتسلل، فإن الكلفة الاقتصادية لإبقاء منطقة بهذا الاتساع مغلقة أمام أي نشاط تنموي مدني لأكثر من عقد كامل تستحق نقاشا جديا حول إمكانية التوفيق بين الأمن والتنمية في آن واحد.
وفي مقابل هذه الثروات الطبيعية المهدورة جزئيا، تخسر تونس موردها الأثمن، وهو عقول أبنائها. تحتل البلاد المرتبة الثانية عربيا بعد سوريا في تصدير الكفاءات العلمية، وتحدثت تقارير عن هجرة قرابة 94 ألف كفاءة تونسية خلال سنة واحدة، من بينهم آلاف الأساتذة الباحثين والمهندسين، فيما غادر أكثر من 1300 طبيب البلاد خلال سنة 2024 وحدها. ويكفي أن راتب المهندس التونسي المبتدئ في القطاع العمومي لا يتجاوز 450 دولارا تقريبا، أي أقل بكثير من نظيره الأردني أو المغربي، ليفهم المرء جزءا كبيرا من دوافع هذه الهجرة. والمفارقة أن نسبة البطالة بين حاملي الشهادات العليا في تونس ارتفعت إلى نحو 26.6 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، في حين تراجعت نسبة البطالة العامة بشكل طفيف إلى 14.9 بالمائة، ما يعني أن المشكلة ليست في نقص الكفاءات بل في عجز الاقتصاد المحلي عن استيعابها وتثمين مجهودها. وبدل معالجة هذه الأسباب الجذرية من أجور وبيئة بحث علمي ومناخ استثمار، اتجه بعض النواب إلى اقتراح فرض تعويضات مالية على الأطباء والكفاءات المغادرة قد تصل إلى 50 بالمائة من كلفة تكوينهم، وهو حل يخشى كثيرون أن يزيد الأمر تعقيدا بدل حله، فينفر الشباب من اختيار هذه التخصصات أصلا ويغلق أمامهم باب العودة لاحقا.
حين نضع كل هذه المعطيات جنبا إلى جنب، تتضح صورة بلد يملك فعلا مقومات حقيقية للنهوض، شمسا سخية ورياحا واعدة وحصة من أحد أكبر خزانات المياه الجوفية في العالم وجيلا من الكفاءات يحظى باحترام كبير خارج حدوده، لكنه لم يترجم بعد هذه المقومات إلى مشاريع بالحجم الذي حققته جارتاه الجزائر وليبيا، ولا إلى فرص عمل تليق بأبنائه في الداخل. والحقيقة أن المسألة ليست ثنائية بسيطة بين الاستقراض الخارجي من جهة والاعتماد الكامل على الذات من جهة أخرى، فحتى مشاريع الطاقة المتجددة التي تراهن عليها تونس اليوم تعتمد جزئيا على تمويل وشراكات مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي، وحتى إدارة الخزان المائي المشترك تحتاج تعاونا إقليميا ودوليا مستمرا. فالسؤال الحقيقي إذن ليس فقط من أين يأتي المال، بل فيم يستعمل، وهل توجد استراتيجية واضحة تحول الشمس والماء والعقول التونسية إلى ثروة يشعر بها كل تونسي في حياته اليومية. إلى أين يا تونس، إلى أين، يبقى سؤالا مفتوحا، لكن الإجابة عليه لم تعد مرهونة بالظروف الخارجية بقدر ما هي مرهونة بجرأة القرار في الداخل.
المصادر والمراجع
(1) تقرير عن مأزق تونس مع صندوق النقد الدولي واستحقاقات الدين لسنة 2026، Rio Times، الرابط https://www.riotimesonline.com/tunisia-imf-debt-2026
(2) توقعات صندوق النقد الدولي لنسبة الدين الخارجي التونسي إلى الناتج المحلي الإجمالي، قاعدة بيانات FRED، الرابط https://fred.stlouisfed.org/series/TUNDGDPGDPPT
(3) تقرير حول رفع تونس هدفها في الطاقات المتجددة إلى 35 بالمائة بحلول 2030، Africa Energy Portal، الرابط https://africa-energy-portal.org/…/tunisias-renewable…
(4) بيان حول مشاريع الرياح والطاقة الشمسية الجديدة في عدة ولايات تونسية، وكالة AllAfrica، الرابط https://allafrica.com/stories/202512240158.html
(5) دراسة حول قطاع الطاقة في تونس ومشروع تينور التصديري وواقع الطاقة الهيدروليكية، Global Energy Monitor، الرابط https://www.gem.wiki/Power_Sector_Transition_in_Tunisia
(6) معطيات حول محدودية الطاقة الهيدروليكية في تونس، Techniques de l’Ingénieur، الرابط https://www.techniques-ingenieur.fr/…/v1/water-uses-2
(7) شرح للخزان المائي الجوفي المشترك بين تونس والجزائر وليبيا ونسب توزعه، Fanack Water، الرابط https://water.fanack.com/…/shared-water-resources-tunisia
(
خبر توقيع إعلان طرابلس بين رؤساء تونس والجزائر وليبيا في أفريل 2026 لتنظيم الخزان المائي المشترك، وكالة فرانس برس، الرابط https://www.daily-sun.com/…/libya-algeria-and-tunisia…
(9) تقرير حول تحول منطقة الوادي وسوف الجزائرية إلى قطب فلاحي، مجلة Al Majalla، الرابط https://en.majalla.com/…/could-aquifers-turn-algerias…
(10) تقرير حول مشروع النهر الصناعي العظيم في ليبيا وكلفته، مجلة Newsweek، الرابط https://www.newsweek.com/worlds-largest-man-made-river…
(11) دراسة حول واحات تونس ونسب استغلال مياهها الجوفية، مؤسسة Rosa Luxemburg، منشورة على rosaluxna.org
(12) خبر تمديد العمل بالمنطقة العسكرية العازلة في جنوب تونس لسنة إضافية سنة 2026، موقع عين ليبيا، منشور على eanlibya.com
(13) تقرير حول أرقام هجرة الكفاءات التونسية العلمية والطبية، جريدة الشروق التونسية، منشور على alchourouk.com
(14) تقرير حول مقترح قانون فرض تعويضات مالية على الأطباء المهاجرين، قناة الحرة، منشور على alhurra.com
(15) بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول نسب البطالة في تونس خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، الإذاعة الوطنية التونسية، منشورة على radionationale.tn




