مثلما دخلتها غادرتها !…سامي الجلولي
منذ سنوات قليلة كنت في زيارة إلى كلية الحقوق بتونس المنار. حقيقة فوجئت من حالة هندام الأساتذة رجالا ونساء دون أي استثناء… ليس هذا فقط بل ببعض من الفوضى الإدارية… كلية الحقوق التي تخرج منها جهابذة في القانون كانت حتى بداية الألفينات مكانا فسيحا وجميلا، رأيتها قبيحة ومترهلة… دخلتها غريبا وغادرتها غريبا… ولولا تعرّفي على أحد أساتذتي سابقا ما كنت عقلت المكان…
لباس نساء ورجال التعليم خاصة الجامعي لم يعد بالأناقة التي كانت من قبل، على الأقل كما كانت في التسعينات والعشرية الأولى من الألفينات… هناك تراجع رهيب في هندام المدرّس والذوق العام وهو ما يمكن تفسيره في سياق الانعكاس البصري المباشر لظاهرة طالت المجتمع التونسي في السنوات الأخيرة وهي التدهور القيمي الممنهج للمؤسسات…
في التسعينات وبداية الألفينات مجمل أساتذة الحقوق الذين درست عندهم سواء في سوسة أو العاصمة كانوا على غاية في الهندام. مقارنة بالاختصاصات الأخرى أساتذة القانون كانوا أكثر أناقة نظرا ريما أن أغلبهم محامون وقضاة وكبار موظفي الدولة… ثم هذا الوقار كان يفرض هنداما يعكس ثقل المسؤولية…
صحيح، أنه كان هناك في كل كلية عدد قليل جدا من الأساتذة الفوضويين لكن هؤلاء بما يمثلونه من قامات فكرية وأكاديمية معروفة، كانوا يملكون تلك الكاريزما التي تسمح لهم أحيانا بقلب النظام البصري والقدوم بهندام فوضوي مقارنة بالسائد المحافظ آنذاك…
لكن الفرق الجوهري هنا، بالأمس كان خروج بعض القامات الفوضوية عن المألوف البصري يفسّر على أنه تمرد المثقف أو تمرد معرفي… كان هذا التمرد جميلا ولم يكن يهز هيبته لأن الأرضية الصلبة من الوقار العام كانت تحميه…
أما اليوم، في سياق التدهور القيمي، تحول الهندام الفوضوي من استثناء مبرر بالكاريزما إلى قاعدة تعكس الإهمال. لم يعد تمهيدا لعمق فكري، بل أصبح تناغما مع السائد المبتذل…
الابتذال والنزول بالذوق العام لم يضرب الجامعة وحدها، بل هو تيار جرف الفضاء العام التونسي بأكمله بعد سنة 2011…
شاهدنا ونشاهد هذا الابتذال في الخطاب السياسي تحت قبة البرلمان ونشاهده في تراجع هيبة الإدارة ومؤسسات الدولة ونشاهده في وسائل الإعلام من خلال تمجيد الرداءة وصناعة نجوم كرتونية ونشاهده في الشارع وعلى الرصيف…
الجامعة لم تكن جزيرة معزولة. فالذوق الفاسد واللباس المبتذل للمدرس هو مجرد عدوى انتقلت من الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي لتخترق أسوار الجامعة وبعد أن كانت الجامعة هي من تصدّر الوعي والأناقة والعمق للشارع، أصبح الشارع هو من يصدر الابتذال للجامعة والإدارة.
البعض سيقول بأن السبب يعود إلى الغلاء المعيشي. نسبيا صحيح، لكن ليس سببا مقنعا…
▪️سامي الجلّولي




