من يركب البحر لا يخشى من الغرق … عبد الكريم قطاطة
في الحياة هناك غرق كثيرا ما اصفه بالغرق الجميل … ولعلّ من اشهى انواع الغرق .. الغرق في العشق .. وفي تقديري لا معنى لفنان غير عاشق من قاع راسه لاخمص قدميه ؟… ولا معنى لمتلقّ للفنّ ايضا ان لم يكن عاشقا وغارق لشوشتو … فالعشق هو احساس مرهف بالجمال وبالخالق الجميل لهذا الكون في كلّ تفاصيل الجمال …من هذه الزاوية انا كنت ولازلت لا افوّت فرصة لحضور بعض العروض الموسيقية التي اشهق فيها عشقا .. البارحة كنت مدعوّا لعرض هلال بن عمر ومجموعة حلم ومع من ؟ مع روح اسطورة الفنّ محمد الموجي ترفرف علينا ابداعا وجنونا . ومع واحد من مجانين الفنّ خاصة وهو يحتضن كمانه كابهى عاشق ومبدع .. هلال هو واحد من امهر عازفي الكمان في الجهة وفي تونس .. هلال لا يعزف على الكمان هلال تستجيب له كمانه فتئنّ احيانا من وجع العشق وتزمجر احيانا من صخب العشق ويصبح معها واحدا لا اثنين … انّها رقصة السلو الشهية التي يمتزج فيها جسدان ليصبحا كتلة واحدة .. روحا واحدة مفردان بصيغة الجمع ..حتّى لكأنّ المتلقّي يتساءل ولن يحصل على اجابة من منهما هلال ومن منهما الكمان … انت عازف جبّار يا هلال .. .. ومما زادنا البارحة ذوبانا وضياعا وغرقا في بحور العشق انّ المحتفى به كان اسطورة من اساطير الفنّ … انّه محمد الموجي .. عنوان العرض كان رسالة من تحت الماء … احدى روائع الثلاثي نزار والموجي والعندليب .. لكن الموجي اغرقنا في رسائل عديدة ..من تحب الماء .. ومن اعالي السحاب _ الرضا والنور .. ومن حقول الحب الخصبة بحلوها _ اسبقني يا قلبي _ بحبّك .. وبوقائع الهجر والخيانة فيها احيانا اخرى _ جبّار واسال روحك وللصبر حدود .. ولعلّني كنت واحدا من الذين عرفوا عن قرب الموجي حيث كان لي لقاء صحفي معه في القاهرة مارس 1987 ..وانبهرت به ليس كفنان فقط بل كفكر فنان واع مثقف وصاحب رسالة وخاصة متواضع …الموجي هذا الاسم الكبير في تاريخ الموسيقى العربية جاء صدفة لعالم الفنّ .. نعم احتصاصه دراسات زراعية واشتغل كناظر زراعة .. وعلاقته بالموسيقى كانت علاقة عشق وبالكاد يدندن بعض الشيء لاصدقائه .. وشاءت الصدف وهو في عمر الثلاثين ان يلتقي بالعندليب وعمر هذا الاخير كان في الرابعة والعشرين وبدأت رواية اخرى في مدوّنة الاغنية العربية مع صافيني مرّة وانتهت علاقته بحليّمنا في اخر ما غنى قبل وفاة عندليبنا بقارئة الفنجان .. واثناء تلك المسيرة قرر الموجي ان يتعلّم الموسيقى على اصولها واصبح اسما كبيرا ليُهدي الحانه لعديد النجوم … الستّ .. وردة .. فائزة احمد .. نجاة الصغيرة وغيرهم من الاسماء لكن بقي العندليب توأمه في منحه معظم اغانية .. وعددها 54 وبذلك كان الموجي يحتل المرتبة الاولى في تعامل الملحنين مع حليّم وبفاق كبير عن الاخرين … كمال الطويل ب 37 لحن .. بليغ حمدي ب 23 لحن ومحمد عبدالوهاب ب 22 لحن … الموجي ايضا عاش وكما حكى لي في لقائي به في مارس 1987 بعد ما تماهينا في حوار عاشق لعاشق حكى لي عن قصته الاولى في ديوان الغرام والتي انتهت بخيانة ممّن عشقها … وقتها فهمت لماذا الموجي في جلّ الحانه يغمس ريشة عوده من جرح الالم جرح دائم النزيف .. ولكنّه كان الكاريزما والشخصية الرهيبة سواء وانت تسمعه او وانت تستمع الى اغانيه ..جرح الموجي دائم النزيف نعم … ولكن كان يؤمن انّ من يركب البحر ابدا ان يخشى الغرق حتى وهو يتنفس تحت الماء .. ربما اطلت في الحديث عن الموجي انا اقرّ بذلك ولكن هلال وعرض البارحة والغرق في ذلك العرض لحدّ الثمالة هو السبب الرئيسي .. والله يهديك يل هلال في _ تحيير المواجع _ فقط لي رجاء منك يا هلال … اوّلا عليك بالقساوة في من توكل اليه بالاغاني الفردية … اعرف انهم هواة ولكن انا هكذا احب مزيدا من الصنعة ومزيدا من الجمال … وثانيا وهو الاهمّ … لا تحرمنا من نقطة القوة فيك لا تحرمنا من رقصة السلو مع كمنجتك .. البارح كنت نقول لمن حواليّ . نحبّ نقوم نضرب هلال .. راهو كانّو ناوي يقتلني عشقا .. ولكن اعود سريعا لبيت نزار قباني الشهير { زيديني غرقا زيديني موتا علّ الموت اذا يقتلني يحييني } وما اشهى موت العشاق …7 نوفمبر 2026 …




