وهم القوة الكبير في شمال أفريقيا..بقلم : محمد جمال الشرفي.

وهم القوة الكبير في شمال أفريقيا..بقلم : محمد جمال الشرفي.

13 أوت 2026، 20:45

ثمة أمرٌ غريبٌ في طريقة إدارة بعض الدول العربية لثرواتها. فالمغرب وحده يمتلك 70% من احتياطيات الفوسفات في العالم. والجزائر تملك احتياطياتٍ هائلةً من الغاز والنفط تمتد لعقود. وليبيا، قبل انهيارها، كانت المنتج الرئيسي للنفط في القارة. ومع ذلك، في هذه الدول نفسها، يعيش ملايين المواطنين في فقرٍ مدقع، ويهرب الخريجون الشباب إلى الخارج، وتفتقر المستشفيات العامة إلى الأدوية.
هذه المفارقة ليست وليدة الصدفة، بل هي مقصودة.
خطابٌ لا يُغيّر شيئًا
لقد أتقنت الأنظمة الحاكمة في هذه الدول فنًا خاصًا: فن استبدال الأفعال بالأقوال. فهي تتحدث عن السيادة الوطنية في خطاباتٍ متلفزةٍ ضخمة. وتُلوّح بفخر الشعب، وكرامة الوطن، وقوة الإيمان. وفي الوقت نفسه، في مكاتب أخرى، بعيدًا عن عدسات الكاميرات، تُوقّع عقود امتياز مع شركاتٍ أجنبيةٍ متعددة الجنسيات بشروطٍ مجهولة.
هذا ما يُسمّيه التقرير التحليلي السياسي الذي اطلعنا عليه “المعايير المزدوجة”. فمن جهة، خطاب الفخر الوطني. من جهة أخرى، واقع تعاقدي لم تشهده البرلمانات قط.
يستند هذا النظام إلى ثلاث آليات. أولًا، إعادة التوزيع المحسوبية: لا تُستخدم الموارد لتمويل المدارس أو المستشفيات، بل لشراء الولاء. ثانيًا، التعتيم المؤسسي: لا تُنشر البيانات، ولا تُقدم الحسابات، ويُسمى هذا بالتكتم. وأخيرًا، ديون المكانة: تُقترض الأموال لبناء ملاعب وجسور ضخمة لا تخدم أي غرض اقتصادي مفيد، لكنها تُضفي جمالًا على نشرات الأخبار المسائية.
الفقر يُصوَّر على أنه قدر
الجانب الأكثر إثارة للقلق هو الطريقة التي يُبرر بها هذا النظام نفسه. فعندما يصبح البؤس لا يُمكن تجاهله، يلجأ أصحاب السلطة إلى الدين. الفقر؟ إنه قضاء وقدر، مشيئة الله. الأزمات؟ ابتلاءات يُرسلها الله للمؤمنين الصابرين. عندها يُصبح انتقاد إدارة الدولة نوعًا من الكفر، أو على الأقل خيانة.
هذا اللجوء إلى الدين ليس تعبيرًا صادقًا عن الإيمان، بل هو أسلوب للتحييد السياسي. يحوّل هذا الأمر مسألة الحكم إلى مسألة روحانية، ويُجرّد المعاناة من بُعدها السياسي، ويمنع أي مطلب مشروع للعدالة الاجتماعية.
وتلعب النزعة القومية الدور نفسه، إذ يُنظر إلى المطالبة بالمساءلة عن عقد تعدين على أنها خدمة “لمصلحة الأجنبي”، وإلى المطالبة بالشفافية بشأن صناديق الثروة السيادية على أنها خيانة للوطن. وهكذا يجد المواطن نفسه عالقًا بين خيارين مستحيلين: إما الصمت أو الخيانة.
الخرسانة كدعاية
انظروا إلى الصور التي تنشرها هذه الحكومات: حفلات افتتاح ضخمة، وملاعب حديثة، وطرق سريعة تشق الصحراء، ومدن إدارية من الزجاج والفولاذ. هذا ما يسميه الخبراء “الشرعية من خلال البناء”.
المشكلة أن هذه المشاريع لا تخلق وظائف دائمة، ولا تُحسّن مستوى المعيشة الفعلي، بل تستهلك موارد تقترضها الدولة من الأسواق الدولية، وسيُثقل سدادها كاهل الأجيال القادمة. إنها مجرد استعراضات إعلامية مُصممة لإغراق المجال العام بعلامات التقدم، بينما لا تتحقق الإصلاحات الهيكلية أبدًا.
تُهمل العديد من مشاريع البناء هذه بمجرد مغادرة الكاميرات.
من المستفيد الحقيقي من كل هذا؟
لفهم هذا النظام، علينا أن ننظر إلى المستفيدين. في المقام الأول، النخب المحلية التي تستحوذ على عائدات القروض الدولية وتُضخّم حجم الجهاز الحكومي لشراء سلام اجتماعي هش. ثم هناك الشركات متعددة الجنسيات التي تحصل على حقوق الصيد، والأراضي الزراعية الخصبة، أو امتيازات التعدين بشروط لا يحق لأحد معرفتها. وأخيرًا، وهو الأمر الأكثر إثارة للقلق، هناك مؤسسات مالية وقوى أجنبية تُدرك تمامًا ما يحدث، لكنها تُفضّل “واجهة الاستقرار” على حالة عدم اليقين التي قد تُنتجها ديمقراطية حقيقية.
هذا الاستقرار له ثمن، يدفعه المواطنون.
ماذا يعني التغيير حقًا؟
تقترح الوثيقة التي حللناها خارطة طريق قائمة على ثلاثة محاور: الشفافية المطلقة في جميع عقود الاستخراج والأراضي والصيد، والاستقلال الحقيقي للقضاء، بحيث يصبح الفساد خطرًا جسيمًا لا مجرد بند في الميزانية. وأخيرًا، إعادة هيكلة شاملة لمؤشرات النجاح الوطني: التوقف عن قياس التنمية بالأمتار الخرسانية، والبدء بقياسها بجودة التعليم، وتوفير الرعاية الصحية، وخلق فرص عمل منتجة.
هذه الركائز الثلاث…يتجه هذا النقاش نحو فكرة بسيطة. فطالما تُدار الثروات الوطنية في الخفاء، فإن أي حديث عن السيادة ليس إلا واجهة براقة تخفي إنكارًا للمستقبل.
لذا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه الدول تملك الوسائل اللازمة للتنمية، فهي تملكها. السؤال الحقيقي هو من يقرر عدم استخدامها لهذا الغرض، ولماذا لا يُطالبها أحد بتفسير ذلك؟
المصادر والمراجع الوثائقية
“إطار عمل للإصلاح المؤسسي: نحو حوكمة شفافة وخاضعة للمساءلة”، وهي وثيقة تحليل استراتيجي استُشيرت في هذه المقالة. تتناول هذه الوثيقة تشخيص مواطن الضعف الهيكلية في الدولة الريعية في شمال أفريقيا، وتقترح إطارًا إصلاحيًا يتعلق بشفافية العقود، واستقلال القضاء، وإعادة تعريف مؤشرات التنمية.
للمزيد من القراءة، تُقدّم الأعمال التالية مراجع أكاديمية وصحفية إضافية:
توم بورجيس، آلة النهب: أمراء الحرب، والأوليغاركيون، والشركات، والمهربون، وسرقة ثروات أفريقيا، بابليك أفيرز، 2015.
منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد، التقارير السنوية متاحة على الموقع الإلكتروني transparent.org.
مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية (EITI)، التقارير القطرية متاحة على الموقع الإلكتروني eiti.org.
إيزابيل ويرنفيلز، إدارة عدم الاستقرار في الجزائر: النخب والتغيير السياسي منذ عام 1995، روتليدج، 2007.
بياتريس هيبو، قوة الطاعة: الاقتصاد السياسي للقمع في تونس، لا ديكوفيرت، 2006.

مواضيع ذات صلة