أحداث سبتة… الجانب الذي لم يروه أحد…الصادق شعبان
أحداث سبتة… الجانب الذي لم يروه أحد
تعالوا نحكي الحكاية كاملة، لا كما أرادها الإعلام الغربي أن تُروى…
كل صحف الغرب، في نفس اللحظة تقريباً، رَوَت مشهداً واحداً: مهاجرون “غير شرعيين” بعشرات الآلاف يقتحمون سبتة سباحة، وإسبانيا “تدافع عن حدودها”… قصة بسيطة، مغلقة، لا تحتاج تفكيراً…
لكن… هناك تفصيل غابَ عن كل هذه الروايات… تفصيل واحد، لو عرفتموه، لتغيّرت النظرة …
قبل أسبوعين فقط من هذا الخروج الجماعي من البحر، في 8 جويلية 2026، أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً فاجأ الجميع — حتى الإسبان أنفسهم فوجئوا — وأزعج الأوروبيين لدرجة أنهم أرادوا معاقبة مدريد عليه… ماذا قال هذا الحكم؟ قال إن “الرد الفوري” للمهاجرين المعترَضين في عرض البحر، بلا إجراءات، بلا حماية قانونية، عمل غير قانوني… عمل مخالف لالتزامات الدولة الإسبانية…
توقفوا هنا لحظة… محكمة عليا تقول بصريح العبارة: ما تفعله الدولة غير قانوني…
وهنا بدأت الحكاية الحقيقية تُنسج… ظنّ آلاف الشباب المغاربة أن هذا الحكم يعني شيئاً واحداً: من يصل إلى سبتة سباحة، لن تقدر إسبانيا على رده… باب فُتح، ولو قانونياً بحتاً… وربما — ومن يدري حقاً؟ — كان هناك من حرّض على هذا الفهم، من روّج له عمداً، ووعد هؤلاء الشباب بحياة أفضل على الضفة الأخرى… شبكات تهريب، أم مجرد إشاعة انتشرت كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: استغلال لحكم قضائي، تحوّل إلى حلم جماعي…
فماذا حدث بعدها؟ هل احترمت السلطات الإسبانية حكم محكمتها العليا، أم استجابت لهذا الفهم الذي انتشر بين الشباب؟…
في ليلة 28 جويلية 2026، تحوّلت سبتة إلى مسرح عبور جماعي، بعشرات الآلاف من المغاربة… وما إن وصل الخبر إلى السلطات الإسبانية، حتى تحرّكت الماكينة الأمنية… لا بالقانون، بل بمنطق الميدان…
عشرات غرقوا… آلاف أُعيدوا فوراً إلى المغرب… لا أحكام، لا إجراءات، لا حقوق…
بيدرو سانشيز تنقّل إلى المكان وتحدّث عن انتهاك حرمة التراب و “تعبئة الموارد” للصد حالا… رئيس المدينة طالب بإعلان الطوارئ ونشر الجيش… إيطاليا علّقت اتفاقية شنغن مع إسبانيا… ألمانيا طلعت هي الأخرى على الخط… وحتى البيت الأبيض تدخّل ليحمّل سانشيز مسؤولية ما سمّاه “سياسات اليسار المتطرف”…
الجميع تكلّم… لا أحد سأل: أين ذهب حكم المحكمة العليا؟…
لكن الحكاية لا تنتهي هنا… لعبة القانون طويلة…
قبل ست سنوات، جاءت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان — نعم، وما أدراكم ما هذه المحكمة في نظر رجال القانون — لتسدّ ثغرة فتحتها محاكم وطنية… ظنّ الناس أنها ستسدّها لصالح المهاجرين… كانوا مخطئين…
في قضية N.D. et N.T. ضد إسبانيا، بتاريخ 13 فبراير 2020، عن مهاجرَين من مالي وساحل العاج تسلّقا سياج مليلية، أصدرت الغرفة الكبرى حكمها: من يدخل الأراضي الأوروبية جماعياً، دون استعمال المنافذ الرسمية، يمكن ردّه فوراً… شرعنة كاملة… ضوء أخضر قانوني، وغطاء أخلاقي جاهز، لإغلاق الحدود متى شاءت أوروبا…
حكمان، على مسافة ست سنوات… مختلفان… أحدهما يجرّم الرد الفوري، والآخر يشرعنه…
لكن لا حكم قضائي يزعج الحكومات… السلطات الأوروبية، في كل مرة، تختار الحكم الذي يخدم مصلحتها، لا الحكم الذي يلزمها…
والآن، أتوجه إلى الحكومات الغربية: لماذا تُحلّلون لأنفسكم ما تُحرّمونه على غيركم؟ تُحلّلون إغلاق الحدود، والرد السريع في البحر، وتكييف القوانين حسب مصلحتكم… فإذا مارست دول الجنوب — تونس، الجزائر، ليبيا والمغرب — نفس هذا الحق الطبيعي أمام تدفقات جماعية غير عادية، تثور ثائرتكم، وتشجبون وتتهمونها بالانتهاكات… أليست هذه ذروة النفاق؟
وأتوجّه أيضاً إلى المنظمات الحقوقية هناك، في أوروبا: أنتم تعرفون الخلفيات جيداً، وتخدمون مصالح لا تخفى على أحد… تصمتون عن حكومات أوروبا وممارساتها، بينما تُشذّبون بلا هوادة كل تصرف تقوم به حكومات دول الجنوب… أما المنظمات عندنا، في كل دول جنوب المتوسط، فحالها بين اثنتين: إما تنساق خلفكم دون وعي، وإما تتعاون معكم ضمن برامج تستفيد منها مادياً… في الحالتين، الصوت ليس صوتها…
ماتت الأخلاق… وتعرّت شعارات حقوق الإنسان… وليس ثمة سوى المصالح… وعلى حكومات دول جنوب المتوسط أن تعي هذا جيداً…





