إمبراطوريات العائلات الصفاقسية عبر الزمن….بقلم : محمد جمال الشرفي.
صفاقس مدينة لا تُقرأ من خلال سورها وأسواقها ومينائها فقط، بل تُقرأ أيضا من خلال العائلات التي صنعت جزءا كبيرا من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
فمنذ العهد الحديث برزت في المدينة عائلات تحولت من أسر تجارية محلية إلى شبكات واسعة من التجار وأصحاب السفنnإمبراطوريات « والمزارعين وأصحاب الأراضي والموظفين ورجال الدولة. ولهذا يصح الحديث عن وجود سلطة » عائلية مستقلة للعائلات. فقد كان النفوذ يقوم على المال والتجارة والعلاقات مع السلطة وامتلاك الأراضي
والسفن، ثم على التعليم والعمل الخيري والعقارات .
وتظهر أهمية هذه العائلات بوضوح عند دراسة التجارة الصفاقسية مع المشرق. فقد وصلت السفن
والتجار الصفاقسيون إلى طرابلس ومصر والشام وتركيا، وازدهرت هذه الحركة خصوصا خلال
القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وتذكر دراسة اعتمدت كتاب علي الزواري حول العلاقات التجارية
بين صفاقس والشام أسماء عائلات عديدة حافظت على نشاطها التجاري مع الشام لعقود طويلة، من
بينها النوري والشرفي والفندري والجلولي والسلامي ودمق والسماوي وغراب ومقديش ومقني
والمصمودي واللومي والزحاف والفخفاخ والعش. وهذا يعطينا فكرة عن حجم الطبقة التجارية التي
كانت تتحرك من صفاقس نحو موانئ المتوسط والمشرق .
ومن أبرز هذه الأسر عائلة الجلولي، التي تمثل نموذجا واضحا للعائلة التي جمعت بين التجارة والنفوذ
السياسي والبحري. ارتبط اسمها بصفاقس خلال الفترة الحسينية، وتولى عدد من أفرادها قيادة
المدينة. وتشير المصادر إلى أن ثلاثة عشر من أبناء الجلولي تولوا قيادة صفاقس خلال الفترة الممتدة
من 1621 إلى 1910 ، بينما ارتبطت ثروة العائلة بالتجارة وامتلاك السفن والنشاط البحري. كما وصل
بعض أفرادها إلى مواقع مهمة في الدولة الحسينية، ومن أشهرهم محمود الجلولي الذي أصبح من
كبار رجال الدولة في تونس خلال القرن التاسع عشر .
وتكمن قوة تجربة الجلولي في أن العائلة لم تبن نفوذها من مصدر واحد. فقد اجتمعت التجارة مع
الوظيفة السياسية والعلاقات مع البلاط الحسيني والنشاط البحري. وتظهر المصادر التاريخية أن أفرادا
من العائلة تولوا مناصب مرتبطة بإدارة صفاقس وجباية الضرائب، كما ارتبطت ثروتهم بامتلاك السفن
والنشاط التجاري. وهكذا تحولت العائلة إلى حلقة وصل بين اقتصاد المدينة والسلطة المركزية في
تونس . أما أعظم أثر مادي تركته العائلة في صفاقس فهو دار الجلولي في المدينة العتيقة. فهذا المنزل ليس
مجرد مسكن عائلي قديم، بل وثيقة عمرانية واجتماعية تختزن جانبا من حياة الطبقة الميسورة في
صفاقس خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويضم المبنى فناء داخليا وأروقة وأبوابا خشبية
مزخرفة وخزفا وزخارف جصية وحجرا منحوتا، ثم تحول بعد الاستقلال إلى متحف للفنون والتقاليد
الشعبية .
وتبرز عائلة النوري بدورها ضمن التاريخ التجاري الصفاقسي. فقد بدأت مشاركتها في التجارة مع
الشام منذ سنة 1727 ، واستمر هذا النشاط، وفق المصادر المحلية التي تستند إلى أعمال علي
الزواري، نحو 125 سنة. وهذا الرقم يعكس قدرة بعض الأسر الصفاقسية على الحفاظ على شبكات
تجارية عبر أجيال متعاقبة، وعلى ربط المدينة بالأسواق الخارجية. ولم يكن نفوذ هذه الأسر قائما على
التجارة الخارجية وحدها، بل ارتبط أيضا بالعلم والدين والعمران داخل المدينة العتيقة .
وتظهر عائلة مقديش في مسار آخر من تاريخ النخبة الصفاقسية. فقد ورد اسمها ضمن العائلات التي
مارست التجارة مع الشام خلال القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وهذا النشاط التجاري
يتقاطع مع حضور الأسرة في الحياة الثقافية والعلمية للمدينة. وتبرز هنا نقطة مهمة في تاريخ
صفاقس، وهي أن العائلة الميسورة لم تكن دائما أسرة تجار بالمعنى الضيق، بل كان من الممكن أن
تجمع بين التجارة والعلم والملكية والعلاقات الاجتماعية .
أما عائلة اللومي، فهي تمثل بدورها نموذجا للعائلات التي ارتبط اسمها بالنشاط التجاري الصفاقسي.
فقد ظهرت ضمن العائلات التي مارست التجارة مع الشام منذ القرن الثامن عشر، واستمر حضورها
في هذا النشاط لعقود. ومع الزمن أصبح اسم اللومي مرتبطا أيضا بالاقتصاد والزراعة والتجارة، وهو
مسار ينسجم مع التحول الكبير الذي عرفته صفاقس عندما أصبح الزيتون والزيت والتجارة المرتبطة
بهما من ركائز الثروة المحلية .
ومن العائلات التي تستحق التوقف عندها أيضا عائلة الفخفاخ. فقد ارتبط اسمها بجزء مهم من اقتصاد
المدينة العتيقة، خصوصا التجارة والحرف وصناعة العطور وتقطير مياه الزهر والورد. وتشير
مصادر محلية حديثة إلى حضور أفراد من العائلة في تجارة العطور والحلي والتعليم إلى جانب
إذ لم تكن القوة مرتبطة ،» الإمبراطورية العائلية « الأنشطة التجارية. وهنا يظهر نوع مختلف من
بالثروة المالية وحدها، بل باستمرار المهنة وانتقال المهارة من جيل إلى جيل داخل المدينة .
واللافت في تاريخ صفاقس أن العائلة والمدينة كانتا مرتبطتين بشبكة اقتصادية واحدة. فالتاجر داخل
المدينة كان مرتبطا بالأسواق الخارجية، وصاحب الأرض كان مرتبطا بالزيتون، وصاحب السفينة كان
مرتبطا بالموانئ، والعالم كان مرتبطا بالجامع والزوايا، والحرفي كان مرتبطا بالسوق. لذلك لم تكن
العائلات الكبرى كيانات منعزلة، بل كانت تتحرك داخل منظومة اجتماعية واقتصادية متشابكة .
وهذا يفسر أيضا لماذا بقي أثر هذه العائلات واضحا في المدينة العتيقة. فالثروة تحولت إلى منازل
وقصور، والوظيفة السياسية تحولت إلى مقرات للحكم، والنشاط التجاري ترك بصماته في الأسواق،
والعمل الخيري والعلمي ارتبط بالجوامع والزوايا والمؤسسات التعليمية. دار الجلولي مثال واضح على
هذا التحول من الثروة إلى التراث. فالمنزل الذي كان مرتبطا بأسرة صاحبة نفوذ أصبح اليوم متحفا
يحفظ الملابس والأدوات والعادات والحرف وأنماط الحياة الصفاقسية. وتشير وكالة الألكسو إلى أن
متحف دار الجلولي تأسس في ستينات القرن العشرين ويضم مجموعات توثق جوانب متعددة من
الحياة التقليدية في صفاقس .
في صفاقس لا ينبغي اختزاله في قائمة من الأسماء أو » إمبراطوريات العائلات « ومن هنا فإن تاريخ
في الحديث عن الثروة. الأهم هو فهم الطريقة التي صنعت بها هذه الأسر شبكة اقتصادية واجتماعية
امتدت من المدينة العتيقة إلى الواحات والبساتين، ومن الأسواق المحلية إلى موانئ المتوسط، ومن
التجارة إلى الإدارة والسياسة والعلم. عائلة الجلولي تقدم أوضح مثال على تداخل المال والسلطة
والبحر. عائلة النوري تقدم نموذجا للحضور التجاري الممتد نحو المشرق. عائلة مقديش تعكس تداخل
التجارة مع المكانة الاجتماعية والعلمية. عائلة اللومي ترتبط بمسار التجارة والثروة الزراعية. وعائلة
الفخفاخ تعكس دور الحرفة والتجارة والصناعة المنزلية في بناء المكانة الاقتصادية .
والأهم أن تراث صفاقس لم يكن نتيجة عائلة واحدة. المدينة صنعتها طبقات متراكمة من الأسر
والحرفيين والتجار والعلماء والفلاحين والبحارة. لذلك فإن دراسة عائلاتها الكبرى تكشف في جانب
كبير منها تاريخ صفاقس الاقتصادي نفسه. فحين نبحث عن العائلة الصفاقسية القديمة، نجد خلف
الاسم بيتا ومهنة وشجرة عائلية وعقارات وعلاقات تجارية ومسارات هجرة، ونجد في النهاية جزءا
من قصة المدينة .
وتبقى دار الجلولي شاهدا ماديا قويا على هذا التاريخ، لكن التراث العائلي الصفاقسي أوسع بكثير من
دار واحدة. هناك البيوت القديمة والأسواق والمساجد والزوايا والوثائق والعقود التجارية والأوقاف
والحدائق والبساتين وذاكرة المهن والأسماء التي بقيت متداولة داخل المدينة. لذلك فإن كتابة تاريخ
تحتاج إلى جمع الروايات العائلية مع الوثائق العقارية والوقفية » الإمبراطوريات العائلية « هذه
والسجلات التجارية وكتب التاريخ المحلي. عندها تتحول أسماء العائلات من مجرد ألقاب متوارثة إلى
خريطة كاملة لفهم كيف بنت صفاقس ثروتها ومكانتها وتراثها عبر القرون .




