الحروب القادمة ستكون حروبًا على الماء…بقلم : محمد جمال الشرفي.
لم تعد مسألة المياه قضية بيئية أو اقتصادية عابرة. الماء أصبح عنصرًا من عناصر الأمن الوطني، وملفًا يرتبط بالزراعة والغذاء والصحة والطاقة والاستقرار الاجتماعي والسيادة. ومع تزايد الضغط على الموارد المائية، يبدو من المشروع طرح سؤال صريح: هل تستعد تونس منذ الآن لمرحلة تصبح فيها المياه محورًا للصراعات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية؟
تونس بلد محدود الموارد المائية، ويزداد الضغط على هذه الموارد بفعل التغيرات المناخية وتراجع كميات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وتزايد حاجات السكان والقطاع الزراعي. لذلك فإن التعامل مع الماء بعقلية الإدارة اليومية لم يعد كافيًا. المطلوب رؤية وطنية طويلة المدى تعتبر المياه ثروة سيادية وحقًا جماعيًا وموردًا استراتيجيًا للأجيال القادمة.
المسألة تبدأ من سؤال بسيط في صياغته، لكنه عميق في نتائجه: هل تمتلك تونس استراتيجية متكاملة للمحافظة على مياهها وترشيد استعمالها والدفاع عن حقوقها في مياهها السطحية والجوفية ومياه الأمطار؟ وهل توجد خريطة وطنية دقيقة تحدد الموارد المائية، أماكن تجمعها، مساراتها، معدلات استغلالها، ونقاط الضغط عليها؟
المياه السطحية تحتاج إلى إدارة مختلفة عن تلك التي تقوم على انتظار الأمطار ثم محاولة تخزين أكبر كمية ممكنة منها. الأودية والأنهار ومجاري المياه تمثل شبكة طبيعية يجب حمايتها وصيانتها وإعادة تأهيلها. وكل متر مكعب من مياه الأمطار يضيع في البحر أو يتبخر أو يتسرب بطريقة غير مدروسة يمثل موردًا ضائعًا في بلد يحتاج إلى كل قطرة.
السدود بدورها تحتاج إلى رؤية تتجاوز تخزين المياه. فالسد الذي تتراكم فيه الأتربة يفقد تدريجيًا جزءًا من قدرته على التخزين. والسد الذي لا تتم صيانته بالشكل المطلوب يصبح أقل فاعلية أمام فترات الجفاف والأمطار الغزيرة. لذلك تحتاج تونس إلى برنامج طويل المدى لصيانة السدود ومقاومة الترسبات وحماية أحواضها وربطها بشبكة وطنية دقيقة لتوزيع المياه.
أما المياه الجوفية، فهي الملف الأكثر حساسية. استخراج المياه من باطن الأرض دون معرفة دقيقة بمعدلات التغذية الطبيعية يؤدي إلى استنزاف المخزون. وفي بعض المناطق، يؤدي الإفراط في الضخ إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية وتدهور نوعيتها، خاصة في المناطق الساحلية حيث يرتبط الاستنزاف بتقدم مياه البحر داخل الطبقات الجوفية.
لهذا تحتاج تونس إلى خريطة وطنية للمياه الجوفية، تعتمد على الدراسات الجيولوجية والهيدرولوجية والبيانات الرقمية والقياسات الميدانية. يجب معرفة حجم المخزون، ومعدل تجدد المياه، وحجم الاستخراج السنوي، والحدود الآمنة للاستغلال، ومواقع الآبار، وطبيعة النشاط الزراعي والصناعي المرتبط بها.
ولا يمكن فصل قضية المياه عن قضية الزراعة. فاختيار نوع المحاصيل أصبح قرارًا مائيًا قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا. زراعة محصول يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه في منطقة تعاني أصلًا من الإجهاد المائي تعني استنزاف مورد نادر. لذلك تحتاج السياسة الزراعية إلى ربط الإنتاج بقدرة كل منطقة على توفير المياه، مع توجيه الفلاحين نحو الزراعات الأقل استهلاكًا للمياه واستخدام تقنيات الري الحديثة.
ترشيد المياه لا يعني تحميل المواطن وحده مسؤولية الأزمة. المواطن مطالب بالاقتصاد في الاستهلاك، لكن الدولة مطالبة أيضًا بإصلاح شبكات توزيع المياه وتقليص التسربات ومراقبة الآبار وتنظيم الاستغلال الزراعي والصناعي وتطوير تقنيات إعادة استعمال المياه المعالجة.
هناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو مياه الأمطار. تونس تحتاج إلى سياسة وطنية لجمع مياه الأمطار داخل المدن والقرى والمناطق الزراعية. الأسطح والمناطق العمرانية والمنشآت العمومية والفلاحية تمثل مساحات واسعة لاستقبال مياه الأمطار وتخزينها أو توجيهها نحو الخزانات والمناطق المناسبة لإعادة تغذية المياه الجوفية.
أما السؤال المتعلق بالتدخل الخارجي، فيجب التعامل معه بواقعية. الموارد المائية أصبحت مرتبطة بالمصالح الاقتصادية والاستثمارات والتكنولوجيا والتمويل. وكل دولة تحتاج إلى التعاون الدولي، لكن التعاون لا يعني التفريط في القرار الوطني. الخطر يبدأ عندما تتحول الحاجة إلى التمويل أو التكنولوجيا إلى مدخل للتحكم في مورد استراتيجي مثل الماء.
الماء ليس سلعة عادية. إنه شرط للحياة، وعنصر أساسي في الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والسيادة الوطنية. لذلك يجب أن تكون إدارة المياه مرتبطة بمؤسسات الدولة وبسياسة وطنية واضحة، مع شفافية في المعطيات والاتفاقيات والاستثمارات المرتبطة بهذا القطاع.
الحروب القادمة قد لا تبدأ بالدبابات والطائرات. قد تبدأ بالضغط على منابع المياه، أو التحكم في الموارد، أو الاستثمار في الأراضي الزراعية، أو التأثير في مصادر التمويل والتكنولوجيا، أو فرض شروط اقتصادية مرتبطة بالمياه. وفي منطقة متوسطية تعاني من الجفاف وتغير المناخ، يصبح هذا الاحتمال أكثر أهمية في التخطيط الاستراتيجي.
تونس لا تحتاج إلى انتظار أزمة كبرى حتى تتحرك. تحتاج إلى اعتبار الماء ملفًا سياديًا طويل المدى، مثل الطاقة والغذاء والأمن. المطلوب قاعدة بيانات وطنية موحدة للمياه، وخريطة دقيقة للمياه السطحية والجوفية، وبرنامج لصيانة السدود والأودية، وسياسة واضحة لاستخراج المياه، وتوجيه زراعي يرتبط بالموارد المتاحة، ومراقبة حقيقية للآبار، وتوسيع استعمال المياه المعالجة، واستثمار أكبر في تجميع مياه الأمطار.
المعركة الحقيقية ليست بين تونس والماء. المعركة هي بين حسن إدارة المورد واستنزافه. وبين دولة تخطط لعقود قادمة ودولة تنتظر الأزمة حتى تتحرك.
إذا كان الماء ثروة وطنية، فإن حماية هذه الثروة تحتاج إلى استراتيجية وطنية معلنة، بأرقام واضحة وأهداف قابلة للقياس ومحاسبة مستمرة. لأن الأجيال القادمة لن تسألنا عن كمية المياه التي كانت تونس تملكها فقط، بل ستسألنا ماذا فعلنا بها عندما كنا نعرف أن الخطر قادم.




