الشباب بين السِجن والشاشة قراءة نقدية في أزمة بلا إستراتيجية….بقلم مُحمد جمال الشرفي.
يتحدث التونسيون منذ سنوات عن ظواهر تبدو جديدة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل: دعارة معلنة، ومخدرات متداولة، وسلوكيات صادمة تُعرض على أنها أمر عادي. لكن أول سؤال يجب طرحه قبل البحث عن حلول هو: هل هذه الظواهر انتشرت فعلا، أم أن الذي انتشر هو الكاميرا؟ لا توجد في الحجة المعروضة أي أرقام. الانطباع العام لا يكفي لإثبات أن الدعارة موجودة في “كل المجالات”. والأرجح أن جزءا من الظاهرة قديم، وأن المنصات الاجتماعية كشفته وضخمته. من ينتقد الإعلام لأنه لا يتحقق من الأسباب عليه ألا يقع في الخطأ نفسه.
وفي مسألة المواخير، تحتاج المعلومة إلى تدقيق. صحيح أن عددا منها أُغلق بعد 2011 تحت ضغط الشارع والتيارات المحافظة في عهد الترويكا، لكن الإغلاق لم يكن سياسة اجتماعية مدروسة، بل رد فعل. والحجة هنا متناقضة: إن كان المقصود أن الإغلاق خطأ، فهذا يعني المطالبة بتنظيم الدعارة، وهو موقف يصعب الدفاع عنه مع وصف الظاهرة بالفاحشة والدناءة في الوقت نفسه. وإن كان المقصود أن الدولة لا تعالج الأسباب، فالمواخير ليست جزءا من الحل أصلا. على صاحب الطرح أن يحسم موقفه: هل يريد تنظيما أم وقاية؟
النقطة الأقوى في الطرح هي السجون. الاكتظاظ في السجون التونسية موثق في تقارير منظمات حقوقية وهيئات رسمية، ونسبة الإشغال تتجاوز طاقة الاستيعاب بوضوح. وقانون المخدرات رقم 52 لسنة 1992 كان يفرض عقوبة سجنية على المستهلك، وهو ما عدّل جزئيا في 2017 بإتاحة ظروف التخفيف للقاضي، لكن التطبيق بقي صارما في كثير من الحالات. إرسال شاب مستهلك إلى سجن مكتظ يعرضه للاحتكاك بمجرمين أخطر منه، فيخرج أسوأ مما دخل. هذا نقد جدي. لكن عبارة “مدارس للزندقة والفساد” تعميم أخلاقي وليست تحليلا. الأدق أن نقول إن السجن بهذه الظروف يفشل في الإصلاح ويزيد احتمال العودة إلى الجريمة.
أما الحكم على المنصات الاجتماعية بأنها “مواخير”، فهو وصف انفعالي يضر بالفكرة أكثر مما يخدمها. تيك توك وفيسبوك أدوات، وفيهما محتوى تافه وفيهما محتوى مفيد. المشكلة الحقيقية أن شبابا بلا عمل ولا أفق ولا فضاءات بديلة يبحثون عن الاعتراف والشهرة بأسرع طريق، والتفاخر بالتفاهة يمنحهم ذلك. فالسؤال ليس لماذا يتفاخرون، بل لماذا لا يجدون ما يفتخرون به في الواقع.
وهنا نصل إلى السؤال المركزي: هل توجد استراتيجية للشباب؟ في الظاهر نعم. دور الشباب والثقافة ومراكز الرياضة موجودة، لكن كثيرا منها يعاني من ضعف التمويل وسوء الصيانة وغياب الأنشطة الجذابة، وبعضها لا يفتح أبوابه إلا في مناسبات. غير أن اختزال المشكلة في “الدولة لم تبن دور شباب كافية” تبسيط خطير. الشاب الذي ينقطع عن الدراسة ويجد نفسه عاطلا لا تعيده دار شباب وحدها. المسؤولية موزعة: الدولة مسؤولة عن التعليم والتشغيل والبدائل العقابية، والأسرة عن الرقابة والحوار، والمدرسة عن الاحتفاظ بالتلاميذ، والإعلام عن التحقق والتناول المسؤول، والمجتمع المدني عن الأنشطة المحلية. ومن يوزع اللوم على الدولة وحدها يعفي بقية الأطراف، وهذا في الحقيقة تهرب من المسؤولية.
الخلاصة أن الطرح يملك حدسا صحيحا: الحل الأمني والقضائي وحده لا يعالج أزمة اجتماعية. لكنه يضعف عندما يستبدل الأرقام بالانطباعات، والتحليل بالشتائم، ويطلب حلولا دون أن يحدد ما الذي ينبغي فعله بالضبط، ومن يفعله، وبأي ميزانية، وكيف نقيس النجاح. المقال الأقوى هو الذي يقترح بدائل عقابية للمستهلكين كالعلاج والمتابعة بدل السجن، وربط دور الشباب بمشاريع تدريب وتشغيل حقيقية، وإنشاء مؤشرات واضحة لقياس أثر هذه السياسات. بغير ذلك سيبقى الكلام عن الشباب كلاما عاما يتكرر كل بضع سنوات دون أن يغير شيئا.




