بنات وأبناء تونس الحرة….امين محفوظ
قد يختلف التونسيون في تقييمهم لتجربة الرئيس الحبيب بورقيبة، لكن من الصعب تصور قبوله بأن يتحدث رئيس دولة أجنبية عن حماية أمن تونس أو أن يوحي بأن أمنها يحتاج إلى وصاية خارجية. فقد كان يعتبر السيادة الوطنية مبدأً لا يقبل المساومة، وهو مبدأ كرسته كذلك مختلف الدساتير التونسية المتعاقبة، كما يكرسه القانون الدولي القائم على المساواة في السيادة بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
إن على جميع الدول، سواء كانت أنظمة عسكرية أو مدنية، في المنطقة أو خارجها، أن تدرك أن تونس دولة مستقلة ذات سيادة، وأن شعبها، رغم اختلاف توجهاته السياسية والفكرية، يجتمع على رفض أي تدخل أجنبي في شؤونه الوطنية. لقد تربت أجيال من التونسيات والتونسيين على أن التغيير والإصلاح شأن وطني يصنعه الشعب بنفسه، لا بالاستقواء بالخارج ولا بالارتهان لأي قوة أجنبية.
وإذا احتاجت تونس إلى دعم أو تعاون دولي، فإن ذلك يجب أن يكون في إطار الاحترام المتبادل بين الدول، ومع شركاء يحترمون سيادة الشعوب وقيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بعيدًا عن أي منطق للوصاية أو التدخل.
وفي المقابل، فإن رفض التدخل الأجنبي لا يعني الامتناع عن نقد السلطة القائمة. فمن حق كل مواطن أن ينتقد السياسات التي يرى أنها مست بالحريات أو أضعفت دولة القانون، لكن هذا النقد يظل ممارسة وطنية مستقلة، ولا يمكن أن يكون مبررًا للاستقواء بالخارج أو لفتح الباب أمام أي تدخل في الشأن التونسي.
لقد قامت الثقافة السياسية الوطنية، منذ الاستقلال، على قيم الحرية والمواطنة والكرامة. وباسم هذه القيم انتقدت أجيال متعاقبة السلطة عندما رأت أنها انحرفت عنها، سواء في عهد الحبيب بورقيبة، أو في عهد زين العابدين بن علي، أو خلال فترة حكم حركة النهضة وحلفائها، أو في ظل حكم الرئيس قيس سعيّد. فثبات المبدأ هو ما يمنح النقد مصداقيته، لا هوية من يتولى السلطة.
عاشت تونس حرة، مستقلة، أبية. فنحن أبناؤها، ونحن الأقدر على إدارة خلافاتنا السياسية في إطار السيادة الوطنية. ونرفض كل محاولة للتدخل في شؤوننا الداخلية أو لإثارة الانقسام بين التونسيين عبر استحضار شعارات التخوين أو المؤامرة أو غيرها من الخطابات التي استُخدمت في تجارب عديدة، ومنها خاصة ما صدر مؤخرا من تصريحات لرؤساء دول أجنبية، لتبرير التضييق على الحريات ومصادرة حقوق الشعوب.





