تونس بحاجة إلى تجديد النخب وإفساح المجال لجيل جديد يمتلك لغة العصر…سامي الجلولي

تونس بحاجة إلى تجديد النخب وإفساح المجال لجيل جديد يمتلك لغة العصر…سامي الجلولي

19 جويلية 2026، 21:12

لا أرى لأي ممن تقلدوا السلطة سابقا مكانا في المستقبل… فقد أثبتت التجربة أنهم لم يتطوروا ولم يتعلموا ولا يزالون أسرى لآليات تفكير بالية. فاليوم، لا يمكنك تركيب محرك كهربائي متطور على هيكل شاحنة متهالكة…
​إن المعضلة ليست في الوجوه ذاتها، بل في الهياكل الذهنية التي تدير بها هذه الوجوه الأمور وتصرّ على إعادة إنتاجها. وما يؤلم حقا هو أن تونس تمتلك طاقة شبابية متعلمة ومطلعة على تجارب العالم. هؤلاء لا يحتاجون إلى أن يكونوا أتباعا، بل يطمحون لأن يكونوا مخططين في مؤسسات الدولة…
​رغم كل ما حدث، أتيحت لنا فرصة تاريخية سنة 2011 لطي صفحة الماضي وبناء دولة جديدة، لكنهم عوضا عن ذلك قسّموا البلاد والشعب… واليوم، يظهر بعضهم في حوارات ليعترفوا بالأخطاء… والمصيبة أنهم يريدون العودة من بوّابة المراجعات…
هؤلاء لا ينبغي تصديقهم. فمن توفرت له الفرصة لإدارة الدولة وفشل، لا يمكنه التنصل من مسؤوليته بتغليف فشله تحت مسمى الأخطاء لاستدراج عطف الناس. لقد تقلدوا المسؤوليات وكان بإمكانهم تصحيح الطريق، لكنهم اختاروا تقسيم ظهر الدولة باسم التوافقات والمحاصصات…
​لقد جلست إلى بعضهم طيلة أكثر من عقد، فلم أجد فيهم عبقرية ولا استثناءات، بل محدودي الإمكانيات، لم يكن هدفهم مصلحة الدولة، بل مصلحة التيارات السياسية التي يمثلونها… كانوا مستعدين للتضحية بالوطن في سبيل الحفاظ على شعبيتهم ومكاسبهم…
لذا، من استؤمن على الدولة فأضاعها لا يملك الشرعية السياسية للحديث عن الإصلاح، لأن التجربة أثبتت أن ولاءهم الأول كان للتيار لا للوطن… مهما تكن مآلات الوضع الحالي، يجب أن يظل هؤلاء بعيدين عن رسم مستقبل البلاد…
​علينا أن نعي أن البنى السياسية والحزبية التقليدية، بأدواتها التفكيرية ومرجعياتها الأسيرة لصراعات الهوية أو التوازنات الحزبية، أصبحت عاجزة عن استيعاب البرمجيات الجديدة التي يتطلبها عالم اليوم…
علينا أن نعلم كذلك أن الدول التي نجحت في الانتقال من الفشل إلى النجاح لم تعتمد على نفس الوجوه التي أثبتت عجزها، بل تبنت نهجا يقوم على الكفاءة التقنية وتغليب أهل الاختصاص والخبرة العلمية على الولاءات الحزبية الضيقة…
​تونس في حاجة إلى مشروع وطني عابر للأيديولوجيات، يتحرر نهائيا من الانقسامات التي استنزفت مواردنا…
تونس بحاجة إلى تجديد النخب وإفساح المجال لجيل جديد يمتلك لغة العصر ويفهم تحديات التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي، بعيدا عن صراعات التوافقات التي أثقلت كاهل الدولة والشعب…
​فالمستقبل في تونس لا يجب أن يبنى على أنقاض أفكار الماضي، بل على رؤية جريئة تضع مصلحة الدولة والشعب فوق كل انتماء حزبي أو فئوي…
لهذا، تونس بحاجة إلى دماء جديدة، إلى مخططين ومفكرين ومبدعين، إلى شابّات وشبّان، لا إلى صنّاع ولاءات أو مطبّلين أو نخب حبيسة نواديها المغلقة…

▪️سامي الجلّولي

مواضيع ذات صلة