حديث الجمعة : العِشْرَةُ الحَسَنَةُ… عِبَادَةٌ وَأَثَرٌ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْأَخْلَاقَ سِيَاجًا يَحْمِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الْفِتَنِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّعَامُلِ الْحَسَنِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَحْسَنُ النَّاسِ خُلُقًا، وَأَكْرَمُهُمْ مُعَامَلَةً، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
لَقَدْ تَغَيَّرَتْ أَنْمَاطُ الْحَيَاةِ، وَتَغَيَّرَتْ مَعَهَا طَرَائِقُ تَوَاصُلِ النَّاسِ وَتَلَاقِيهِمْ؛ فَلِقَاءَاتٌ كَانَتْ تَجْمَعُ النَّاسَ لِلْحَدِيثِ وَالتَّوَاصُلِ، أَصْبَحَتْ شَاشَاتُ الْهَوَاتِفِ حَاضِرَةً فِي كَثِيرٍ مِنْهَا، وَقَرَّبَتْ وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ بَيْنَ الْبَعِيدِينَ، لَكِنَّهَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ شَغَلَتِ الْقَرِيبَ عَنْ قَرِيبِهِ. وَفِي خِضَمِّ هَذَا التَّغَيُّرِ تَزْدَادُ حَاجَتُنَا إِلَى آدَابِ الْعِشْرَةِ وَحُسْنِ التَّعَامُلِ؛ فَهِيَ مِنْ هَدْيِ الْإِسْلَامِ، وَعِبَادَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْمُسْلِمُ إِلَى رَبِّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّعَارُفَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ حِكَمِ اخْتِلَافِهِمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ)).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ قَدْ أَرْسَيَا لَنَا أُصُولًا رَاقِيَةً فِي شَأْنِ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ النَّاسِ، تَجْعَلُ الْعِشْرَةَ الْحَسَنَةَ وَاقِعًا عَمَلِيًّا فِي حَيَاتِنَا، وَمِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ مَا يُمْكِنُ أَنْ نُسَمِّيَهُ (الْمَسَافَةَ الْآمِنَةَ) فِي الْعَلَاقَاتِ، وَهِيَ الْمَسَافَةُ الَّتِي تَحْفَظُ لِلْإِنْسَانِ خُصُوصِيَّتَهُ، وَتَصُونُ الْعَلَاقَةَ مِنَ التَّدَخُّلِ فِيمَا لَا يَعْنِي. فَمَعَ تَدَفُّقِ الْمَعْلُومَاتِ الَّذِي جَعَلَ الاطِّلَاعَ عَلَى تَفَاصِيلِ حَيَاةِ النَّاسِ أَمْرًا يَسِيرًا، تَزْدَادُ حَاجَتُنَا إِلَى هَذَا الْأَدَبِ الْقُرْآنِيِّ الرَّفِيعِ، فَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ سُوءِ الظَّنِّ وَالتَّجَسُّسِ . وَمِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ أَنْ يَتَغَافَلَ الْإِنْسَانُ عَنِ الْهَفَوَاتِ غَيْرِ الْمَقْصُودَةِ، وَأَلَّا يُحَمِّلَ أَقْوَالَ الْآخَرِينَ وَأَفْعَالَهُمْ مَا لَا تَحْتَمِلُ، أَوْ يُفَتِّشَ فِي نِيَّاتِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمْ؛ فَكَمْ مِنْ عَلَاقَةٍ أَفْسَدَهَا سُوءُ الظَّنِّ وَتَتَبُّعُ الْعَثَرَاتِ، وَكَمْ مِنْ مَوَدَّةٍ حَفِظَهَا التَّغَافُلُ وَحُسْنُ الظَّنِّ، . أَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي -عِبَادَ اللَّهِ- فَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ أَثَرًا طَيِّبًا فِيمَنْ حَوْلَهُ، بِحُسْنِ الْقَوْلِ، وَلِينِ الْجَانِبِ، وَجَمِيلِ الْمُعَامَلَةِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ ، فَلْيَحْرِصِ الْمُسْلِمُ عَلَى أَنْ يَكُونَ حُضُورُهُ خَفِيفًا عَلَى النُّفُوسِ، وَكَلَامُهُ بَاعِثًا عَلَى الْأُلْفَةِ، بَعِيدًا عَنْ كَثْرَةِ النَّقْدِ وَمَرَارَةِ اللِّسَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)). وَمِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ أَنْ يَجِدَ النَّاسُ فِي صُحْبَتِكَ رَاحَةً وَأَمَانًا مِنَ الْأَذَى، وَذلِكَ بِأَنْ تُحْسِنَ الاسْتِمَاعَ، وَتَقْبَلَ الْعُذْرَ، وَتَرْفُقَ بِالضَّعِيفِ، وَتُوَاسِيَ صَاحِبَ الْحَاجَةِ، وَتَخْتَارَ مِنَ الْقَوْلِ أَطْيَبَهُ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلًا أَعْلَى فِي حُسْنِ مُعَاشَرَةِ النَّاسِ، يَجْمَعُ بَيْنَ لِينِ الْجَانِبِ وَحِفْظِ اللِّسَانِ، وَقَدْ بَيَّنَ لِلسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَوْمًا، وَقَدْ رَأَتْهُ يُحْسِنُ الْحَدِيثَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَغْرَبَتْ، فَقَالَ لَهَا ﷺ: ((يَا عَائِشَةُ، مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ)).
فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ-، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِتَقْوَى اللَّهِ أَثَرًا يَظْهَرُ فِي تَعَامُلَاتِكُمْ، فِي أَسْوَاقِكُمْ وَبُيُوتِكُمْ، وَمَعَ جِيرَانِكُمْ، وَفِي طُرُقَاتِكُمْ،




