حين يسرق منك العمر … معاناة بعض المربين…ناجح  الصيد

حين يسرق منك العمر … معاناة بعض المربين…ناجح الصيد

2 أكتوبر 2026، 21:15

25 سنة على الطريق… حين يتحول التنقل إلى عمرٍ ضائع

أساتذة محرومون من الاستقرار… وأسر تدفع ثمن المسافة

ليست المسافة بين مكان العمل والمنزل مجرد عدد من الكيلومترات تُقطع كل صباح، وليست ساعات التنقل مجرد وقت عابر يمكن تعويضه في نهاية الأسبوع. بالنسبة إلى عدد من الأساتذة الذين عجزوا لسنوات طويلة عن الحصول على نقلة إلى مدينة صفاقس، أصبح الطريق جزءًا قاسيًا من حياتهم اليومية، حتى إن بعضهم أمضى أكثر من عشرين سنة في التنقل ذهابًا وإيابًا.

وفي بعض الاختصاصات، وعلى رأسها الإعلامية، تبدو معاناة هؤلاء الأساتذة أكثر وضوحًا. فمحدودية الشغورات وتوزع المؤسسات التربوية تجعل الحصول على نقلة قريبة من مقر السكن حلمًا مؤجلًا، قد يستمر سنوات طويلة.

صباح يبدأ قبل أن يبدأ النهار

قبل أن تستيقظ المدينة، يكون الأستاذ قد غادر منزله.

طريق طويل، سيارة، حافلة أو وسيلة نقل أخرى، ثم ساعات من التركيز والعمل داخل القسم، قبل العودة مجددًا في الاتجاه المعاكس.

يتكرر المشهد يومًا بعد يوم، وأسبوعًا بعد أسبوع، وسنة بعد سنة.

في البداية يقول الأستاذ لنفسه: “سنة أو سنتان وسأحصل على نقلة.”

ثم تمر السنوات.

خمس سنوات… عشر… خمس عشرة… عشرون سنة.

وفجأة يجد الأستاذ نفسه وقد أمضى ربع قرن تقريبًا وهو يعيش بين مدينتين: مدينة يعمل فيها، ومدينة يسكن فيها.

حين يصبح الطريق سارقًا للوقت

الأكثر إيلامًا في هذه الحكاية ليس التعب الجسدي وحده، بل الوقت الذي لا يعود.

ساعات طويلة تُستهلك يوميًا في الطريق، كان يمكن أن تكون وقتًا مع الأبناء، أو مع الزوجة، أو للراحة، أو لمتابعة دراسة الأطفال، أو حتى لمجرد الجلوس في المنزل دون استعجال.

الأستاذ الذي يغادر منزله في الصباح الباكر قد يعود في المساء منهكًا، وقد لا يجد من يومه العائلي سوى دقائق قليلة.

ثم تتكرر الدورة في اليوم التالي.

وهكذا يتحول التنقل من ظرف مهني مؤقت إلى نمط حياة مفروض.

أطفال يكبرون… والآباء لا يشعرون

ربما يكون هذا الجانب هو الأكثر قسوة.

فالطفل الذي كان ينتظر والده عند عودته من العمل، يكبر.

يدخل المدرسة.

ثم الإعدادية.

ثم الثانوية.

ثم الجامعة.

وخلال كل هذه المراحل، يكون الأب حاضرًا في حياتهم، ولكن بشكل أقل مما كان يتمنى.

تمر أعياد ميلاد، ومناسبات مدرسية، وأيام عادية كان يمكن أن تكون مليئة باللحظات العائلية، بينما يكون الأستاذ على الطريق أو يستعد للعودة أو يستجمع طاقته ليبدأ يومًا جديدًا.

الأطفال لا يتوقفون عن النمو حتى ينتهي الأستاذ من سنوات التنقل.

وهذه هي المأساة الصامتة: أن يكتشف الأب بعد سنوات أن أبناءه كبروا، وأن أجمل سنوات طفولتهم ومراهقتهم مرت بينما كان هو يحاول فقط أن يؤدي واجبه المهني.

25 سنة… ماذا تعني؟

خمسة وعشرون عامًا ليست فترة قصيرة.

إنها مرحلة كاملة من حياة الإنسان.

خلال 25 سنة يمكن أن يتخرج الأبناء، وتتغير المنازل، وتتبدل المسؤوليات، ويكبر الوالدان، وتتغير صحة الإنسان وقدرته على التحمل.

لكن الأستاذ الذي لم يحصل على النقلة يواصل الرحلة نفسها.

السيارة نفسها أو سيارة أخرى.

الطريق نفسه.

المسافة نفسها.

والسؤال نفسه:

متى يأتي دوري؟

الإعلامية… اختصاص له خصوصيته

في مادة الإعلامية تحديدًا، يمكن أن تكون وضعية الأساتذة أكثر تعقيدًا في بعض الجهات بسبب خصوصية الاختصاص وتوزيع الشغورات والحاجة إلى تغطية المؤسسات التعليمية.

الأستاذ قد يجد نفسه مرتبطًا بمؤسسة بعيدة لسنوات، رغم أن مقر إقامته وعائلته في صفاقس.

ومع مرور الوقت، لا يعود الأمر مجرد رغبة في العمل بالقرب من المنزل، بل يصبح حاجة اجتماعية وإنسانية وعائلية.

فالاستقرار ليس رفاهية.

والقرب من العائلة ليس امتيازًا.

والرغبة في أن يعيش الأستاذ مع أبنائه حياة طبيعية ليست مطلبًا مبالغًا فيه.

الأستاذ أيضًا إنسان

غالبًا ما يُنظر إلى الأستاذ من زاوية واحدة: شخص يدخل القسم، يدرس، يصحح، يراقب، ويغادر.

لكن خلف هذا المشهد إنسان لديه بيت وأبناء ووالدان ومسؤوليات وحياة خاصة.

الأستاذ الذي يصل إلى القسم بعد رحلة طويلة يحتاج إلى أن يكون حاضر الذهن، صبورًا، ومركزًا أمام تلاميذه.

ثم عليه أن يعيد الرحلة نفسها بعد انتهاء العمل.

ومع مرور السنوات، تصبح المسألة مرتبطة أيضًا بالإرهاق والتقدم في السن وقدرة الإنسان على مواصلة نسق الحياة نفسه.

النقلة ليست مجرد تغيير مكان

بالنسبة إلى أستاذ قضى سنوات طويلة بعيدًا عن مقر سكنه، فإن الحصول على نقلة إلى صفاقس لا يعني فقط تقليل المسافة.

إنها تعني:

أن يستيقظ مع أبنائه.

أن يتناول معهم وجبة دون النظر إلى الساعة.

أن يحضر مناسبة مدرسية لابنه.

أن يعود إلى المنزل قبل أن ينام الأطفال.

أن يجد وقتًا لوالديه.

أن يعيش نهاية الأسبوع وهو يفكر في عائلته، لا في الطريق الذي ينتظره صباح الاثنين.

إنها ببساطة فرصة لاستعادة جزء من الحياة.

لا نطلب امتيازًا… بل نبحث عن الإنصاف

قضية هؤلاء الأساتذة تستحق أن تُطرح بهدوء وبمسؤولية، بعيدًا عن التجاذبات.

المطلوب هو النظر في وضعيات من قضوا سنوات طويلة في التنقل، خصوصًا من بلغوا عشرين سنة وأكثر، وإيجاد آليات تضمن لهم فرصًا حقيقية للاستقرار كلما توفرت الإمكانيات والشغورات.

فالعدالة لا تعني فقط تطبيق قاعدة واحدة على الجميع، بل تعني أيضًا الانتباه إلى الحالات الإنسانية والمهنية التي تراكمت عبر سنوات طويلة.

العمر لا ينتظر

قد يستطيع الإنسان تعويض المال.

وقد يستطيع شراء سيارة أفضل.

وقد يستطيع تغيير الطريق.

لكنه لا يستطيع شراء السنوات التي مرت.

الأستاذ الذي قضى 25 سنة في التنقل لا يطلب استرجاع تلك السنوات؛ فهو يعرف أن الزمن لا يعود.

لكنه يتمنى فقط ألا تمر السنوات القادمة بالطريقة نفسها.

يتمنى أن يأتي يوم يغادر فيه منزله للعمل دون أن يشعر أنه يغادر عائلته.

أن ينتهي يوم العمل ويعود إلى بيته دون رحلة طويلة.

أن يرى أبناءه يكبرون أمام عينيه، لا من خلال دقائق متقطعة بين رحلة وأخرى.

فالأستاذ لا يريد أن يسرق من الطريق مزيدًا من عمره.

ويريد، مثل أي إنسان، أن يعيش ما تبقى من سنوات عمله قريبًا من بيته، قريبًا من أبنائه، وقريبًا من الحياة التي ظل يؤجلها انتظارًا للنقلة.

25 سنة من الطريق تكفي… آن للأستاذ أن يعيش الاستقرار.

مواضيع ذات صلة