صفاقس والمشاريع الكبرى: هل العلة في الأشخاص أم في “السيستام”؟
أثار قرار إعفاء المسؤول عن المشاريع الكبرى في صفاقس مؤخراً موجة من القراءات. وفي حين قد يرى البعض في هذا الإجراء إشارة سياسية قوية تعكس رغبة في الحسم وامتصاص غضب الشارع، إلا أنه يضعنا وجهاً لوجه أمام سؤال أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل تتعطل قاطرة التنمية في جهاتنا بسبب تقاعس الأفراد.. أم لأن المنظومة نفسها صُممت لتعطل كل من يعمل داخلها؟
إن حالة الشلل التي تعيشها العديد من المشاريع في صفاقس ليست استثناءً جهوياً، بل هي مرآة تعكس بوضوح اختلالاً هيكلياً وطنياً. ما يحدث اليوم هو النتيجة المنطقية لثلاثية قاتلة تنهش جسد الإدارة التونسية: تعدد المتدخلين، تعقيد البيروقراطية، وكابوس الملف العقاري.
في الظاهر، تبدو المسؤوليات موزعة بوضوح بين الهياكل، لكن في الواقع، نحن أمام تشتت يؤدي حتماً إلى الشلل. المركز يقرر، الجهات تحاول التنفيذ، وبينهما تتداخل عشرات الإدارات والمؤسسات العمومية. والنتيجة؟ مشاريع بلا “رأس” مدبر؛ لا يوجد طرف واحد يمتلك الصلاحية الكاملة والمسؤولية المباشرة من لحظة التصور إلى غاية التسليم النهائي.
في ظل هذا المشهد، يتحول تغيير المسؤولين إلى مجرد “إدارة للأعراض” لا علاجاً للمرض الأصلي. فالمنظومة الحالية، بآلياتها العتيقة، كفيلة بإعادة إنتاج نفس النتائج ونفس التعطيلات، مهما تغيرت الأسماء أو اختلفت الكفاءات.
إن الحل لا يكمن في ممارسة رياضة “البحث عن كبش فداء” عند كل تعثر، بل في إرساء ثورة إدارية حقيقية تقوم على مفاهيم حديثة وناجعة. وهنا يبرز خيار “مكاتب قيادة المشاريع” (PMO) كضرورة قصوى، بشرط ألا تتحول إلى هيكل شكلي جديد يضاف إلى قائمة الهياكل الموجودة.
إن المنظومة التي نحتاجها اليوم يجب أن تقوم على ثلاث ركائز لا تنازل عنها:
وحدة القيادة: تعيين مسؤول واحد بصلاحيات فعلية وواسعة لكل مشروع كبرى، يكون هو المحاور الوحيد والمحاسب الأول على النتائج، ويملك سلطة التحكيم والفض السريع للنزاعات بين الإدارات.
الرقمنة والمتابعة الحينية: استبدال التقارير الورقية “المتأخرة” بلوحات قيادة رقمية (Dashboards) تسمح برصد نقاط التعطيل فور حدوثها، مما يجعل التدخل استباقياً لا علاجياً.
تشريعات استثنائية: تبسيط الإجراءات القانونية خاصة في ما يتعلق بفك العقد العقارية وتراخيص الربط بالشبكات الوطنية، لتجاوز بطء القوانين العادية التي لا تتماشى مع سرعة الاستحقاقات التنموية.
المعادلة اليوم بسيطة ولكنها حاسمة: المشكلة ليست في غياب الكفاءات، بل في غياب نظام يمكّن هذه الكفاءات من الإنجاز. السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعاً لم يعد “مَن المسؤول؟”، بل “كيف نبني نظاماً يضمن خروج المشاريع من الأوراق إلى أرض الواقع؟”.
بدون هذا التحول الجذري في طريقة التفكير والإدارة، سنواصل استهلاك الوقت في تغيير الوجوه، بينما تظل المشاريع تراوح مكانها، ونحصد في كل مرة نفس الخيبات. صفاقس، وتونس، لم يعد لديهما ترف الانتظار.
حاسم كمون





