صفاقس 17معدل في الباك و3 في الجامعة أين اختفى التفوق؟
عادة مواضيع التعليم نفضل السكوت عنها، ليس خوفا من الحقيقة، وإنما حتى لا يساء فهمها أو تظلم فئة من التلاميذ و الطلبة الذين تعبوا واجتهدوا ووصلوا إلى نتائجهم بعرقهم ومجهودهم. لكن عندما تظهر مؤشرات تطرح أسئلة حقيقية، يصبح الحديث عنها مسؤولية، لا تشكيكا في أحد.
هذا الموضوع لا يستهدف المتميزين، ولا يمس من قيمة نجاح من اجتهد وثابر وتحصل على معدل مرتفع بجدارة. بالعكس، الحديث اليوم هو غيرة على التعليم وعلى قيمة التفوق الحقيقي، وحرصا على ألا تختلط الجدارة بمن لم يستحقها، وألا يتحول النجاح في مرحلة إلى مجرد رقم لا يجد صاحبه طريقه في المرحلة الجامعية.
في بعض المؤسسات الجامعية بصفاقس، تبرز حالات تثير الاستغراب ، طالب يحقق معدلا مرتفعا في البكالوريا (في ولايته طبعا ووجه للدراسة بصفاقس)، ثم يجد نفسه بعد الانتقال إلى الجامعة أمام نتائج متواضعة جدا، وهنا لا بد من طرح السؤال بهدوء، أين يختفي ذلك التفوق؟ وهل المشكلة في الطالب وحده، أم أن الانتقال من الباكالوريا إلى الجامعة يكشف خللا أعمق في منظومة التعليم؟
فكيف لتلاميذ نجحوا في بكالوريا 2025 بمعدلات مرتفعة، بعضهم تجاوز معدل 17 في شعبة الرياضيات، وفتح لهم ذلك أبواب الاختصاصات الأكثر طلبا، من الطب إلى مدارس المهندسين. لكن المفاجأة جاءت خلال السنة الجامعية 2025-2026، نتائج ضعيفة جدا، ومعدلات لا تتجاوز أحيانا 2 أو 3 من 20.
السؤال هنا ليس عن طالب تعثر مرة أو أخفق في امتحان، فالفشل الجامعي وارد، والانتقال من التعليم الثانوي إلى الجامعة قد يكون صعبا. لكن عندما يتحول الأمر إلى فارق هائل بين مستوى البكالوريا والنتائج الجامعية، وعندما يتكرر الأمر لدى عدد من الطلبة، يصبح من المشروع طرح أسئلة جدية حول الأسباب.
فكل مقعد في كلية الطب أو المعهد التحضيري هو مقعد محدود، وكل طالب يحصل عليه يعني بالضرورة أن طالبا آخر، ربما كان أكثر استحقاقا من حيث المستوى الحقيقي، لم يحصل عليه.
لذلك، فإن الحديث عن هذه الحالات لا ينبغي أن يتحول إلى اتهامات مجانية للطلبة، ولا إلى حكم مسبق بأن النجاح في البكالوريا كان نتيجة غش. لكن في المقابل، لا يجوز تجاهل مؤشرات تستحق التحقيق.
إذا كانت هناك حالات تحصلت على معدلات مرتفعة جدا في البكالوريا، ثم حققت خلال السنة الجامعية معدلات متدنية بشكل غير عادي، فمن حق الرأي العام أن يعرف، هل تمت مقارنة نتائج هؤلاء الطلبة؟ وهل تم التدقيق في مسار تقييمهم؟ وهل توجد مؤشرات غير عادية تستوجب التثبت؟
المطلوب ليس معاقبة طالب فشل في الجامعة، وإنما حماية مبدأ تكافؤ الفرص وحماية قيمة الشهادة الوطنية.
ولهذا، فإن وزارة التعليم العالي مطالبة، إن ثبت وجود حالات متكررة وغير عادية، بفتح تحقيق جدي وشفاف، بالتنسيق مع وزارة التربية والجامعات المعنية، لدراسة العلاقة بين نتائج البكالوريا والنتائج الجامعية، والتثبت من كل ما يمكن أن يفسر هذه الفوارق الكبيرة.
فإذا كان طالب حصل على 17 في البكالوريا ثم حصل على 2 أو 3 في الجامعة، فالسؤال ليس،لماذا فشل فقط؟ بل أيضا، ماذا حدث بين الـ17 والـ2؟
هذا السؤال يستحق إجابة علمية وشفافة، بعيدا عن التشهير بالطلبة وبعيدا عن حماية أي خلل محتمل.
أسامة بن رقيقة





