فاز على المكسيك والباقي كتبه الخيال: ماذا حقق منتخب 1978 فعلا؟
أعلم أن كثيرين سيهاجمونني بمجرد قراءة العنوان، وربما لن يتجاوز بعضهم السطور الأولى قبل أن يقرر أنني أقلل من قيمة جيل 1978 أو أسيء إلى أحد أهم المنتخبات في تاريخ الكرة التونسية. لكن الحقيقة أنني لا أكتب بدافع الاستفزاز، ولا من باب معاداة الماضي أو التقليل من شأن من صنعوا أول انتصار عربي وإفريقي في كأس العالم. بل على العكس، أكن لذلك الجيل كل الاحترام الذي يستحقه.
ما أرفضه ليس الإنجاز نفسه، بل المبالغة في وصفه. أرفض أن تتحول الوقائع إلى أساطير، وأن يصبح النقاش محكوما بالعاطفة بدل الأرقام. فالتاريخ الرياضي لا يُكتب بالحنين، بل بالنتائج. ولا يقاس بحجم الذكريات الجميلة التي تركها جيل ما، بل بما حققه فعلا داخل الملعب.
فالوقائع تقول إن المنتخب لم يتأهل إلى الدور الثاني، بل أنهى مجموعته في المركز الثالث بعد خسارة أمام بولندا 1-0 وتعادل سلبي مع ألمانيا الغربية. مجموع حصيلته فوز وتعادل وهزيمة ، وهو ما لم يكن كافيا للعبور.
كما أن هذا الجيل، رغم الاحترام الذي يستحقه، لم يحقق لقب كأس أمم إفريقيا. لذلك يصعب اعتباره أفضل جيل في تاريخ تونس لمجرد مشاركة مونديالية واحدة انتهت في الدور الأول.
أما الحجة القائلة إن الفوز على المكسيك كان إنجازا، فهي تحتاج إلى بعض التوازن، فالمكسيك نفسها أنهت البطولة بثلاث هزائم، وتعرضت لسداسية أمام ألمانيا الغربية، ما يدل على أن المنتخب المكسيكي لم يكن من كبار المنافسين في تلك النسخة.
وعندما نقارن ذلك بإنجازات أجيال أخرى، تظهر الصورة بشكل مختلف. منتخب تونس في كأس العالم 2022 مثلا حقق فوز تاريخي على منتخب فرنسا بطل العالم 2018 وصاحب المركز الثاني في نسخة 2022، وجمع أربع نقاط في مجموعة ضمت فرنسا وأستراليا والدنمارك. ورغم خروجه أيضا من الدور الأول، فإن قيمة الفوز على فرنسا رياضيا تبدو أكبر من الفوز على المكسيك سنة 1978 بالنظر إلى قوة المنافس ومكانته العالمية آنذاك.
أيضا، إذا كان معيار “الملحمة” هو تحقيق إنجاز رياضي استثنائي مكتمل الأركان، فإن منتخب تونس سنة 2004 يملك حجة أقوى بكثير من منتخب 1978، لأنه لم يكتف بترك انطباع جيد أو تحقيق نتيجة تاريخية واحدة، بل تُوج بلقب قاري رسمي.
لذلك فإن القراءة الموضوعية تقتضي التمييز بين أمرين، منتخب 1978 يستحق الاحترام لأنه صنع سابقة إفريقية وعربية تاريخية، لكن تحويل تلك المشاركة إلى “ملحمة أسطورية” تتجاوز كل ما جاء بعدها هو نوع من المبالغة التي لا تدعمها النتائج الفعلية. فالإنجاز التاريخي شيء، والأسطورة الكروية شيء آخر.
هناك نقطة نادرا ما تناقش عند الحديث عن عبد المجيد الشتالي، فإذا كان الرجل عبقري في التدريب بالمعنى الذي يقدم به اليوم، فلماذا لم نشاهد مسيرة تدريبية استثنائية تمتد لعقود بعد مونديال 1978؟
أكبر المدربين في التاريخ واصلوا العمل بعد إنجازاتهم الكبرى. فالفوز بكأس العالم لم يكن نهاية المسيرة بالنسبة لهم، بل بداية لنجاحات أخرى. بعضهم درب أندية ومنتخبات مختلفة، وبعضهم حصد ألقابا جديدة وأثبت أن نجاحه لم يكن مرتبطا بظرف معين أو جيل معين.
أما في حالة الشتالي، فإن صورته في الذاكرة الجماعية ترتكز أساسا على إنجاز 1978، أقول هذا ليس للتقليل من قيمة الرجل، بل لأن المسيرة الرياضية الحقيقية تقاس عادة بالاستمرارية وتكرار النجاح، لا بإنجاز واحد فقط مهما كانت رمزيته. فالمدرب الكبير لا يُعرف بما فعله مرة واحدة، بل بما استطاع تكراره في محطات مختلفة.
في الاخير لاأحد يطلب منا أن ننسى 1978، ولا أن نمحو إنجاز تاريخي من ذاكرتنا، وإن كان الخروج من الدول الأول إنجاز مكتمل الأركان، لكن الفرق كبير بين احترام الماضي والعيش فيه. فالأمم الرياضية الحية تبني أمجادا جديدة، أما التي تكتفي بترديد قصص الأمس فتتحول تدريجيا إلى متحف للذكريات.
أسامة بن رقيقة





