قانون الشيكات في تونس: إصلاحٌ لحماية المواطن أم عبءٌ جديد على الاقتصاد؟….بقلم : محمد جمال الشرفي.
شكّل الشيك في المجتمع التونسي، على امتداد سنوات طويلة، إحدى أهم وسائل الدفع وتسهيل المعاملات التجارية والمالية، ولم يقتصر دوره على كونه أداة خلاص كما ينص عليه القانون، بل تجاوز ذلك ليصبح وسيلة ضمان يعتمد عليها المواطن والتاجر والحرفي في تسيير شؤونهم اليومية. فقد كان الشيك يمنح العائلات التي لا تسمح لها إمكانياتها المادية بتغطية جميع مصاريفها دفعة واحدة فرصة اقتناء حاجياتها وتأجيل خلاصها، كما كان يتيح للتجار مواصلة نشاطهم وتوفير السلع والخدمات، مع المحافظة على حدّ من الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف. وبذلك أصبح الشيك جزءًا من الدورة الاقتصادية، وأداة يعتمد عليها عدد كبير من التونسيين لتجاوز صعوبات السيولة وضعف القدرة الشرائية.
غير أنّ الإشكال الحقيقي في المجتمع التونسي يتمثّل في أنّ الشيك لم يكن يُستعمل دائمًا باعتباره وسيلة دفع فورية، بل تحوّل، في كثير من المعاملات، إلى وسيلة ضمان وأداة للائتمان غير المباشر. فالمواطن الذي يرغب في شراء أثاث منزله أو تجهيز بيته استعدادًا للزواج، أو الذي يسعى إلى تلبية حاجيات أسرته، كان يجد في الشيك المؤجّل وسيلة تمكّنه من الحصول على ما يحتاج إليه، مقابل التزامه بالخلاص في موعد لاحق. وكان التاجر، من جهته، يقبل بهذه الطريقة اعتمادًا على الثقة في الحريف وعلى الأمل في استرجاع أمواله في الآجال المتفق عليها. ورغم ما يمكن أن ينجرّ عن هذه الممارسات من مخاطر، فإنها أصبحت واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله عند التفكير في إصلاح منظومة الشيكات.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل جاءت التعديلات الأخيرة المتعلقة بالشيكات في تونس لتخفيف الأعباء عن المواطن وحماية الاقتصاد، أم أنّ تطبيقها دون توفير بدائل تمويلية كافية قد ألقى بأعباء جديدة على فئات واسعة من المجتمع؟
إنّ منع استعمال الشيك باعتباره وسيلة ضمان، مع تشديد الضوابط المتعلقة باستعماله، قد تكون له مبررات قانونية واقتصادية، من بينها الحدّ من إصدار الشيكات دون رصيد، وحماية المتعاملين من الخسائر، وتعزيز الثقة في المعاملات المالية. غير أنّ نجاح أي إصلاح لا يُقاس فقط بقدرته على الحدّ من المخالفات، بل كذلك بمدى مراعاته للواقع الاجتماعي والاقتصادي، وبقدرته على توفير بدائل عملية للأشخاص الذين يعتمدون على هذه الآلية لتسيير شؤونهم. فالقانون الذي يهدف إلى حماية المواطن من مخاطر المديونية يجب ألّا يتحوّل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى عامل يضيّق عليه فرص الحصول على حاجياته الأساسية أو ممارسة نشاطه الاقتصادي.
وتتجلّى تداعيات هذا التحوّل، بصورة خاصة، في قطاعات الأثاث والمفروشات وتجهيز المنازل ومستلزمات الأعراس، وهي قطاعات ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة الشرائية للعائلات التونسية وبالعادات الاجتماعية السائدة. فتكاليف الزواج وتجهيز المسكن أصبحت تمثّل عبئًا ماليًا كبيرًا على عدد من الأسر، في ظل ارتفاع الأسعار ومحدودية الدخل. كما أنّ شريحة واسعة من الأجراء تتقاضى أجورًا محدودة لا تسمح لها بتغطية جميع المصاريف دفعة واحدة، وقد تجد بعض الفئات نفسها عاجزة حتى عن تلبية حاجياتها الأساسية دون اللجوء إلى التسهيلات. وفي مثل هذه الظروف، لم يكن الشيك المؤجّل مجرّد ورقة تجارية، بل كان بالنسبة إلى البعض وسيلة لتوزيع المصاريف على فترة زمنية تسمح لهم بالتكيّف مع إمكانياتهم المادية.
وعندما تتراجع إمكانية التعامل بهذه الطريقة، دون أن تتوفّر بدائل ميسّرة للتمويل والتقسيط، فإنّ التأثير لا يقتصر على المواطن الذي يرغب في الشراء، بل يمتدّ إلى التاجر والحرفي والمصنّع، وصولًا إلى بقية حلقات النشاط الاقتصادي. فقد يتراجع الطلب على السلع، وتتقلّص المبيعات، وتتعطّل حركة الأموال، وتزداد الصعوبات التي تواجه المؤسسات الصغرى والمتوسطة. كما يمكن أن تجد بعض الأنشطة التجارية نفسها أمام معادلة صعبة: فإمّا أن تبيع نقدًا لفئة محدودة من الحرفاء، وإمّا أن تتحمّل مخاطر ائتمانية لا تملك القدرة على استيعابها. وهكذا قد يؤدّي غياب البدائل إلى إضعاف حركة المبادلات التجارية، بدل تعزيزها، وهو ما يستوجب تقييمًا جديًا لآثار الإصلاح على مختلف القطاعات.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل أُخذت هذه الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية بعين الاعتبار بالقدر الكافي عند إعداد القانون؟ وهل تمّت دراسة مدى قدرة المواطن التونسي، في ظل مستوى الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، على التأقلم مع التحوّلات الجديدة؟ إنّ الإصلاح التشريعي لا ينبغي أن يقتصر على معالجة المخالفات القانونية، بل يجب أن ينطلق من فهم عميق للواقع الذي أفرز تلك الممارسات، وأن يميّز بين من يتعمّد الإضرار بالغير وإصدار شيكات دون رصيد، وبين من يجد نفسه في وضعية مالية صعبة نتيجة ضعف دخله أو تعثّر نشاطه التجاري. فالمعالجة القانونية العادلة تقتضي التناسب بين المخالفة والعقوبة، كما تقتضي البحث عن حلول تمكّن المتعاملين من الوفاء بالتزاماتهم دون دفعهم إلى مزيد من التعثّر.
ومن المهم أيضًا ألّا تتحوّل حماية الاقتصاد إلى مجرّد مسألة تتعلّق بالعقوبات والسجن. فالسجن قد يكون ضروريًا في الحالات التي يحدّدها القانون، لكنه ليس في حدّ ذاته سياسة اقتصادية متكاملة، ولا يمكن أن يعوّض غياب التمويل أو ضعف القدرة الشرائية أو نقص الثقة بين المتعاملين. فالاقتصاد يحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على الثقة والائتمان والتمويل والتشريعات الواضحة، إلى جانب آليات فعّالة لتسوية النزاعات واستخلاص الديون. وإذا كان الهدف من إصلاح قانون الشيكات هو الحدّ من التجاوزات وحماية حقوق الدائنين والمدينين، فإنّ تحقيق هذا الهدف يقتضي أيضًا توفير حلول واقعية، مثل تطوير منظومة التقسيط القانوني، وتيسير التمويل الصغير، وتشجيع وسائل الدفع البديلة، ووضع آليات للتسوية وجدولة الديون في الحالات التي تسمح بذلك.
وفي هذا السياق، يطرح البعض فرضية أنّ نسبة محدودة، تُقدّر في حدود خمسة أو ستة بالمائة وفق تقديرات متداولة، من المتعاملين بالشيكات هي التي تتسبّب في المخالفات أو الإشكالات الأكثر خطورة. غير أنّ هذه النسبة تحتاج إلى بيانات رسمية دقيقة لتحديد مدى صحتها، كما ينبغي التمييز بين نسبة المخالفين ونسبة الشيكات دون رصيد وحجم الخسائر الناتجة عنها. ومع ذلك، فإنّ جوهر المسألة يبقى قائمًا: لا ينبغي أن تؤدّي معالجة التجاوزات التي يرتكبها بعض المتعاملين إلى تعطيل مصالح بقية المواطنين والتجّار الذين يعتمدون على الشيك في معاملاتهم بصورة عادية. فالتشريع الناجح هو الذي يحدّ من المخالفات، ويحمي الحقوق، ويحافظ في الوقت نفسه على استمرارية الدورة الاقتصادية.
إنّ الاقتصاد التونسي لا يحتاج إلى تشريعات تكتفي بمنع الممارسات القائمة، بل يحتاج إلى إصلاحات تفتح أمام المواطن والمؤسسة أبوابًا جديدة للتعامل والتمويل. وإذا كان استعمال الشيك كضمان قد أفرز مخاطر حقيقية، فإنّ الحلّ لا يكمن في تجاهل الأسباب التي دفعت الناس إلى الاعتماد عليه، بل في معالجة تلك الأسباب من جذورها. فضعف الأجور، وارتفاع الأسعار، وصعوبة الحصول على القروض، ومحدودية وسائل التقسيط، كلّها عوامل تساهم في انتشار المعاملات المؤجّلة. ومن دون معالجة هذه العوامل، قد يجد المواطن نفسه أمام قيود جديدة، فيما يجد التاجر نفسه أمام تراجع في الطلب وصعوبة في تصريف بضاعته.
إنّ حماية المواطن لا تتحقّق فقط بمنعه من الوقوع في المديونية، بل كذلك بتمكينه من وسائل قانونية وآمنة لتلبية حاجياته، وحماية التاجر من الخسارة، وضمان استمرار المبادلات الاقتصادية. ولذلك، فإنّ تقييم قانون الشيكات يجب ألّا يكون قائمًا على عدد المخالفات التي تمت معالجتها فحسب، بل أيضًا على تأثيره الفعلي في الاستهلاك والتجارة والقدرة الشرائية والاستقرار المالي للأسر والمؤسسات.
وفي المحصّلة، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يظلّ مطروحًا أمام المشرّع والسلطات المعنية هو: كيف يمكن حماية الاقتصاد من مخاطر الشيكات دون التضحية بقدرة المواطن على العيش، ودون إضعاف المؤسسات التي تمثّل شريانًا أساسيًا للنشاط التجاري؟ إنّ الإصلاح الحقيقي لا يضع المواطن في مواجهة القانون، ولا يجعل حماية الدائن على حساب المدين، بل يسعى إلى تحقيق التوازن بين حقوق الطرفين، ضمن منظومة مالية أكثر عدلًا وشفافية ومرونة.
فإذا كان الهدف إنقاذ نسبة محدودة من المتعاملين من مخاطر الشيكات، فلا ينبغي أن تكون النتيجة تحميل بقية المجتمع كلفة اقتصادية واجتماعية أكبر. إنّ نجاح أي قانون لا يُقاس بصرامته وحدها، بل بقدرته على معالجة الخلل دون خلق أزمات جديدة، وبمدى مساهمته في تنشيط الاقتصاد وحماية المواطن وضمان كرامته وقدرته على تلبية حاجياته الأساسية.




