حين أصبحت مشاعرنا سلعة في أيدي الشركات والسياسة…بقلم : محمد جمال الشرفي.
هل تساءلت يوماً لماذا نشتري أشياء لا نحتاج إليها؟ ولماذا نشعر أحياناً أن امتلاك هاتف معين أو ارتداء علامة تجارية مشهورة يجعلنا أكثر قيمة وتميزاً؟ المسألة ليست مجرد إعلانات ذكية أو حملات تسويقية ناجحة، بل وراءها قصة تكشف كيف تحوّل علم النفس إلى أداة للتأثير في عقول البشر وتوجيه سلوكهم.
تبدأ الحكاية سنة 1928، عندما التقى شاب أمريكي يدعى إدوارد برنايز بمسؤولي شركات التبغ. كان برنايز متأثراً بأفكار خاله، عالم النفس سيغموند فرويد، خصوصاً ما يتعلق بالرغبات والمخاوف والغرائز اللاواعية التي تحرك الإنسان دون أن يدركها. لكنه لم ينظر إلى هذه الأفكار باعتبارها مجرد نظريات علمية، بل رأى فيها فرصة لصناعة أساليب جديدة للتحكم في رغبات الجماهير وتوجيه قراراتها.
كانت المشكلة التي تواجه شركات التبغ أن تدخين النساء لم يكن مقبولاً اجتماعياً. فبدلاً من الترويج للسجائر باعتبارها منتجاً عادياً، قرر برنايز ربطها بقيمة أكبر: الحرية والتحرر والاستقلالية. استغل النقاش المجتمعي حول حقوق المرأة، ونظّم مشهداً استعراضياً ظهرت فيه نساء وهن يشعلن السجائر خلال مناسبة عامة في نيويورك، مع تقديم الحدث للصحافة باعتباره تعبيراً عن تحرر المرأة. وهكذا لم تعد السيجارة مجرد منتج للتدخين، بل أصبحت في الصورة الدعائية رمزاً للتمرد والحرية والمساواة.
هنا تكمن خطورة الفكرة: لم يعد المطلوب إقناع الإنسان بجودة المنتج أو حاجته إليه، بل إقناعه بأن شراءه سيمنحه شعوراً معيناً أو صورة اجتماعية يريدها. لم تعد تشتري الهاتف لأنك تحتاج إلى إمكاناته، بل لأنك تريد أن تبدو متميزاً. ولم تعد تشتري الملابس لمجرد ستر الجسد، بل لأن العلامة التجارية تمنحك إحساساً بالمكانة والانتماء. لقد انتقل التسويق من مخاطبة العقل إلى استهداف المشاعر والرغبات العميقة.
لكن تأثير برنايز لم يتوقف عند حدود الاستهلاك. فقد امتدت أفكاره إلى الدعاية السياسية، واستُخدمت أساليب التأثير الجماهيري في ترويج المواقف السياسية والحروب. ويشير الملف إلى دوره في الترويج لمشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى، من خلال تقديم الحرب باعتبارها دفاعاً عن الديمقراطية. وهكذا أصبحت صناعة الرأي العام جزءاً من أدوات السلطة، لا مجرد وسيلة لبيع المنتجات.
والأكثر إثارة للقلق هو تصوره للديمقراطية الجماهيرية؛ إذ رأى أن الجماهير يمكن توجيهها عبر منحها خيارات تبدو متعددة وحرة، بينما تكون النتيجة المرغوبة محددة سلفاً. أي أن الإنسان قد يشعر بأنه يتخذ قراره بنفسه، في حين أن البيئة المحيطة به قد صُممت لتدفعه نحو اختيار معين.
هذه الفكرة تضعنا أمام سؤال مهم: إلى أي مدى تعكس اختياراتنا رغباتنا الحقيقية، وإلى أي مدى هي نتيجة لما نتعرض له يومياً من إعلانات وصور ورسائل إعلامية؟ فحين تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يمتلكه، وحين تتحول السعادة إلى منتج يمكن شراؤه، يصبح المستهلك أسيراً لحاجة لا تنتهي؛ كلما امتلك شيئاً، أُقنع بأن هناك شيئاً آخر ينقصه.
ليست المشكلة في التسويق بحد ذاته، ولا في الإعلانات التي تعرفنا بالمنتجات، بل في التلاعب بالمشاعر وصناعة احتياجات وهمية، وفي استغلال رغبة الإنسان في القبول والتميز والخوف من الاختلاف من أجل دفعه إلى قرارات قد لا تخدم مصالحه.
إن الحماية الحقيقية تبدأ عندما نتعلم أن نتوقف قبل الشراء، وأن نسأل قبل التصديق، وأن نفكر قبل الانسياق وراء موجة جماعية. فليس كل ما يرغب فيه الإنسان يحتاج إليه، وليس كل ما يراه الآخرون مهماً يستحق أن يكون مهماً بالنسبة إليه.
لقد بدأت تعاسة الإنسان حين تحولت سعادته إلى سلعة تُباع وتُشترى، وحين أصبح الآخرون قادرين على إقناعه بما ينبغي أن يرغب فيه، ثم باعوه ذلك الرغبة في صورة منتج.





