ملاحظات حول تمثال Hannibal بسلقطة!…سامي الجلولي
شدّ انتباهي هذا المساء نحت للقائد القرطاجي Hannibal تمّ تركيزه في مدينة سلقطة من معتمدية قصور الساف… ولي بعض الملاحظات التي أردت طرحها…
أولا، يعاني التمثال من خلل واضح في التناسب التشريحي. إذ تبدو الرأس واليدان غير متناسقتين طبيعيا مع الجسد، مما يضفي عليه طابع الهواية بدلا من الاحترافية الفنية…
ثانيا، تبدو تفاصيل العمل أشبه بالتماثيل التجارية المخصصة لفضاءات الألعاب، فهي تفتقر إلى العمق الفني الذي يتناسب مع مكانة شخصية تاريخية بهذا الحجم. يضاف إلى ذلك أن التلوين والمواد المستخدمة زادت من حدة المظهر الذي يفتقر للوقار التاريخي. إن نحت تمثال لشخصية استراتيجية في قيمة Hannibal يتطلب التعبير عن ملامح القيادة، الثبات والعمق التكتيكي، لا مجرد وضع خوذة ودرع على هيكل جامد…
ثالثا، وضع تمثال في ساحة عامة يتطلب دراسة دقيقة للتأثير البصري والرسالة المرجوة. فتحويل شخصية تاريخية إلى مجسّم يفتقر للجودة يفرغ الرمز من قيمته ويحوله من أيقونة وطنية إلى مادة للتندر، خاصة في منطقة سياحية مثل سلقطة التي تحمل إرثا تاريخيا عريقا…
رابعا، علينا أن ندرك أن الرموز التاريخية لاسيما حنبعل لا ينبغي التعامل معها بسطحية. فعندما يتم تمثيل شخصية بهذا الثقل في التاريخ العسكري والسياسي العالمي بعمل يفتقر للمهنية، يشعر المتلقي بأن الإرث قد تعرض للتسطيح والإهانة بدل التكريم…
الأمر هنا يتجاوز مجرد الرغبة في التكريم فهو تجسيد لرمز إقليمي كبير يستوجب كراس شروط يعده مختصون في التاريخ، الفنون التشكيلية، علم الاجتماع والاتصال. بل إن الأمر يستوجب أحيانا استشارة رجال القانون والعلاقات الدولية. فمثلا، توجيه السيف نحو إيطاليا الحالية قد يثير حساسيات دبلوماسية غير ضرورية. إن وضع معايير فنية صارمة هو الضمان الوحيد لتفادي الأعمال العشوائية…
وحتى حين خططت مجموعة استثمارية أجنبية منذ أشهر لإقامة مشروع تجاري وثقافي يتوسطه تمثال لحنبعل في بحيرة تونس، تم التعامل مع شخصية حنبعل بحذر شديد شمل الأبعاد الفنية والدبلوماسية. إن نقطة توجيه السيف، سواء نحو إيطاليا أو البحر، ليست مسألة بسيطة. ففي السياسة الثقافية، كل حركة محسوبة. وإذا كان الهدف هو الجذب السياحي، فإن استعداء الزائر عبر رمزية قتالية صدامية ليس الخيار الأمثل. إذ ينبغي تقديم حنبعل كقائد استراتيجي عابر للحضارات…
أتذكر جيدا عندما نوقش مشروع البحيرة، قلت لأحد الأصدقاء من قصور الساف: إن لم ينجز التمثال في البحيرة، فسأكون من أوائل الداعمين لإنجازه في سلقطة، فهي تمتلك هضابا جميلة مطلة على البحر تليق بمثل هذا العمل إذا ما وضع وسط حديقة مصممة بعناية…
كان بإمكاننا عوضا عن نحت تمثال كامل تعوزه الجودة الاقتصار على نصب برونزي Bust على قاعدة رخامية صلبة عند مدخل ميناء سلقطة، مع التركيز المكثف على ملامح الوجه ونظرة الهيبة، فهذا يمنح العمل وقارا وسموا يليق بجوهر الشخصية…
نقدي انصبّ حصرا على الجانب الفني للتمثال ومكانته كرمز للقائد القرطاجي… وأرى أنه كان بالإمكان فعل الأجمل…
أتمنى لسلقطة كل الخير والازدهار…
▪️الجلّولي




