من غياب البرمجة إلى ترسيخ الركود… المحرس نموذجًا…وائل الرميلي

من غياب البرمجة إلى ترسيخ الركود… المحرس نموذجًا…وائل الرميلي

27 ماي 2026، 16:00

في الوقت الذي انطلقت فيه التظاهرات الثقافية بشهر التراث في مختلف معتمديات ولاية صفاقس تحت شعار “التراث وفنّ العمارة”، تبدو المحرس وكأنها خارج الخريطة الثقافية تمامًا، خارج البرمجة، وخارج أي ديناميكية تُذكر. مدينة كان يُفترض أن تكون في قلب هذا الحراك، فإذا بها تغرق في صمت ثقافي ثقيل يطرح أسئلة مباشرة لا تحتمل التأويل: أين الاجتماعات؟ أين البرامج؟ أين العمل؟
منذ سنوات، رُوّج للمحرس كبلدية ذات بعد سياحي، خاصة بعد تصنيفها سنة 2023 ضمن البلديات السياحية، وهو مكسب كان من المفترض أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التخطيط الثقافي والسياحي. غير أن الواقع اليوم يكشف مفارقة صارخة: تصنيف على الورق، مقابل فراغ على الأرض، ووعود لم تتحول إلى برامج، ولا إلى رزنامة تظاهرات، ولا حتى إلى حد أدنى من الحركية الثقافية.
المؤسف أن هذا الغياب لم يعد يُطرح كإشكال ظرفي، بل بدأ يتحول إلى حالة اعتيادية. الركود الثقافي في المحرس أصبح يُتعامل معه وكأنه وضع طبيعي، وكأن مدينة ساحلية بتاريخها وموقعها ومقوماتها يمكن أن تعيش دون مهرجانات، دون عروض، دون فعاليات، ودون أي نبض ثقافي يُنعش فضاءها العام. لكن الحقيقة أن هذا “الطبيعي” ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب البرمجة، وضعف التنسيق، وافتقاد الإرادة الفعلية لتحريك المشهد.
المحرس ليست مدينة بلا رصيد. هي مدينة لها ذاكرة ثقافية عميقة، احتضنت منذ ستينات القرن الماضي مهرجان الفنون التشكيلية الذي كان أحد أبرز المواعيد الثقافية في تونس، واستقطب فنانين من داخل البلاد وخارجها. كما عرفت حركية جمعياتية ومبادرات فنية وموسيقية ومسرحية جعلت منها فضاءً حيًا للإبداع. إضافة إلى ذلك، فهي تمتلك موقعًا استراتيجيًا على الساحل، وشواطئ جميلة، ورأسمالًا بشريًا مهمًا، ما يجعلها مؤهلة لتكون وجهة ثقافية وسياحية بامتياز.
لكن كل هذه المقومات تبقى معطّلة، حين تغيب البرمجة ويضعف التنسيق، وتُترك المدينة خارج الدوائر الفاعلة في التخطيط الثقافي الجهوي.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال دور السلط المحلية، وعلى رأسها معتمدة المحرس، التي تتحمّل جزءًا أساسيًا من المسؤولية في هذا التعطيل. فالدور الإداري اليوم لم يعد كافيًا في مثل هذه الملفات، بل المطلوب هو دور مبادر، ضاغط، ومُنسّق، يسبق الأحداث ولا يكتفي بمتابعتها. أين الاجتماعات التي كان يُفترض أن تجمع مختلف المتدخلين؟ أين المبادرات التي تدفع نحو إدراج المحرس ضمن رزنامة التظاهرات الجهوية؟ وأين التحركات الاستباقية التي تضمن الحد الأدنى من الحضور الثقافي للمدينة؟
إن غياب المبادرة في هذا المستوى من المسؤولية لا يمكن اعتباره تفصيلًا بسيطًا، بل هو عنصر مباشر في تكريس هذا الركود. فالمعتمدية ليست فقط جهاز متابعة، بل هي حلقة وصل أساسية بين الجهة والبلدية والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، وأي غياب في هذا الدور ينعكس مباشرة على واقع المدينة.
من جهة أخرى، تتحمّل المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بصفاقس نصيبها من المسؤولية، من حيث غياب العدالة في توزيع التظاهرات، وعدم إدماج المحرس بشكل فعّال في البرامج الجهوية، رغم ما تملكه من مقومات ثقافية وتاريخية وسياحية تجعلها في مقدمة الجهات القادرة على احتضان فعاليات كبرى.
النتيجة اليوم واضحة: مدينة بلا مهرجانات، بلا عروض، بلا حركية، ومواسم تُمرّ دون أثر يُذكر. في المقابل، تتضرر الدورة الاقتصادية المحلية، ويتراجع نشاط التجار، وتفقد المدينة جزءًا من جاذبيتها، في وقت تُعتبر فيه التظاهرات الثقافية رافعة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية.
إن ما تعيشه المحرس اليوم ليس مجرد غياب عابر في البرمجة، بل هو خلل في الرؤية، وفي الحوكمة الثقافية، وفي توزيع الفرص بين الجهات. وهو خلل يجعل من سؤال “أين الاجتماعات؟ أين البرامج؟ أين العمل؟” سؤالًا مشروعًا ومباشرًا، لا يحتمل التأجيل.
المحرس لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى فعل حقيقي، وإلى إعادة الاعتبار لفعل التخطيط الثقافي كأداة تنمية لا كترف إداري. فإما أن تتحول التصنيفات إلى التزامات، أو تبقى مجرد عناوين بلا أثر.
✍️ *وائل الرميلي

مواضيع ذات صلة