إلى ميادة الحناوي ….حين يهزم الزمن الصوت!….محمّد الماطري صميدة
استمعت إلى ميادة الحناوي من خلال الفيديوهات المباشرة على الفايسبوك المسربة من حفلة قرطاج فأيقنت مرة أخرى أن الزمن لا يمر على البشر وحدهم بل يمر أيضا على الأصوات.
لم تعد ميادة هي ميادة التي كانت تملأ المسارح هيبة ولا ذلك الصوت الذي كان يحلق في طبقات عالية وكأنه لا يعرف التعب…لقد فعل الزمن فعله وهي سنة الحياة التي لا يستثنى منها أحد…!
لكن العظمة الحقيقية لا تقاس بما يفعله الزمن بالصوت بل بما يتركه الفنان في الذاكرة…فالأصوات قد تضعف غير أن الأثر لا يشيخ والأغاني الخالدة تبقى أكثر شبابا من كثير من الأغاني الجديدة.
استمعت إلى ميادة الحناوي فغلبني الحنين قبل أن يغلبني الطرب…لم تعد ميادة هي ميادة التي كانت تهز المسارح بصوتها الآسر ولم تعد الحنجرة تمتلك ذلك البريق الذي جعلها واحدة من أعظم الأصوات العربية… لقد فعل الزمن فعله، والزمن لا يستأذن أحدا.
ولا أقول هذا انتقاصا من تاريخ فنانة كبيرة بل وفاء لذلك التاريخ نفسه…فالفنان الحقيقي لا يقاس بآخر ظهور له وإنما بما تركه من أثر في الوجدان…وميادة الحناوي تركت رصيدا لا يستطيع الزمن أن يمحوه لكنه لا يستطيع أيضا أن يعيد إليها ما أخذته السنوات من صفاء الصوت وقوته!
وحين نستمع اليوم إلى ميادة لا ينبغي أن نقارنها بميادة الأمس بل أن نتذكر أن تلك المرأة منحت الأغنية العربية سنوات من الجمال والإحساس وأنها وقفت أمام أصعب الألحان وأدتها باقتدار فصارت جزءا من ذاكرة أجيال كاملة.
ولعل المشكلة ليست في أن الزمن غيّر الصوت فهذه حكمة الحياة وإنما في أن بعض الفنانين يصرون على تحدي الزمن بينما يكون الاعتزال في لحظة المجد أحيانا أجمل من البقاء في مواجهة المقارنات القاسية.
ومع ذلك تبقى ميادة الحناوي اسما لا يحتاج إلى شهادة لأن التاريخ لا يكتبه آخر حفل ولا آخر أغنية بل تكتبه مسيرة طويلة من الإبداع.
رحم الله زمن الفن الجميل… يوم كانت الأغنية تعيش عشرات السنين وكان الفنان يكبر في العمر لكنه يبقى شابا في قلوب محبيه….!
ويبقى رجاء محب قبل أن يكون رأيا ناقدا: يا ميادة لقد أعطيت للفن العربي ما يكفي ليخلد اسمك بين الكبار فلا تسمحي للسنوات الأخيرة أن تحجب وهج تلك المسيرة. الاعتزال في اللحظة المناسبة ليس هزيمة بل قمة الحكمة لأن التاريخ لا يتذكر عدد الحفلات الأخيرة بل يتذكر الأعمال التي صنعت المجد.
غادري الركح كما دخله الكبار… مرفوعة الرأس محاطة بالاحترام والمحبة واتركي جمهورك يشتاق إلى صوتك الجميل كما عرفه لا كما أثقلته الأيام…فالمجد الحقيقي لا يحتاج إلى مطاردة ولا إلى حفلات إضافية-حتى لو كانت في قرطاج- ولا إلى مكاسب عابرة لأن القيمة التي بنيت على عقود من الإبداع أغلى من أي عائد مادي مؤقت.
يا ميادة… لقد منحتِ الفن العربي عمرا من الجمال فلا تسمحي للسنوات الأخيرة أن تمس وهج تلك المسيرة…! الاعتزال في قمة الاحترام شجاعة لا هزيمة فالتاريخ يتذكر القامات بأجمل ما قدمت لا بآخر ظهور لها…اتركي جمهورك يصفق لذكراك الجميلة فالمجد أبقى من أي مكسب عابر…وأنا أعي ما إقول هنا…!
اعتزلي… لا هربا من الفن بل وفاء له ووفاء لذلك التاريخ الجميل الذي يستحق أن يبقى ناصعا في ذاكرة عشاقك…وأنا واحد منهم…!





