التلفزة الوطنية الثانية: قناة خارج اهتمامات الأطفال والشباب!…ناجح  الصّيد

التلفزة الوطنية الثانية: قناة خارج اهتمامات الأطفال والشباب!…ناجح الصّيد

21 أكتوبر 2026، 21:15

إلى متى تبقى القناة الوطنية الثانية أسيرة الإعادات، بينما يغيب أطفال تونس وشبابها عن شاشتها؟

من المؤسف أن تتحوّل قناة وطنية يُفترض أن تكون فضاءً للتربية والثقافة والإبداع، إلى شاشة تكتفي بإعادة مسلسلات قديمة وعرض المباريات، وكأن مهمتها تنحصر في ملء ساعات البث، لا في تقديم محتوى يليق بتطلعات المجتمع التونسي، وخاصة أجياله الصاعدة.

أين برامج الأطفال التي تجمع بين المتعة والمعرفة؟ أين المسابقات الثقافية والعلمية بين المعاهد؟ أين البرامج التي تكتشف المواهب الشابة، وتمنح التلاميذ فرصة للتعبير عن أفكارهم وإبراز قدراتهم؟ أين الزيارات الميدانية إلى المؤسسات التربوية، والنوادي العلمية، ومخابر الإعلامية، وفضاءات الابتكار؟

أليس في تونس أطفال يستحقون أن نسمع أصواتهم، وتلاميذ يستحقون أن نرى إبداعاتهم، وشباب يستحقون أكثر من شاشة لا تخاطب أحلامهم؟

إنّ المسألة ليست مجرّد نقص في البرامج الترفيهية، بل هي سؤال عن معنى الإعلام العمومي ودوره. فالقناة الوطنية ليست مجرد جهاز للبث، وليست أرشيفًا مفتوحًا للمسلسلات القديمة، وليست شاشة تنتظر المناسبات الرياضية لتستعيد بعضًا من حيويتها. إنها مؤسسة عمومية، ومن حق المواطن أن يسأل عمّا تقدّمه، وكيف توظّف إمكاناتها، وما الأثر الذي تتركه في وعي الأجيال الجديدة.

في زمن تتنافس فيه المنصات الرقمية على عقول الأطفال والشباب، وتستثمر فيه دول كثيرة في المحتوى التعليمي والترفيهي الموجّه إلى الناشئة، لا يعقل أن يبدو حضور الطفل التونسي والشاب التونسي على شاشته الوطنية محدودًا إلى هذا الحد. فالإعلام الذي لا يمنح الأجيال الجديدة مساحة للتعلّم والمشاركة والإبداع، يترك فراغًا لن تنتظر المنصات الأخرى طويلًا حتى تملأه.

والأدهى من ذلك أنّ تونس لا تفتقر إلى الكفاءات ولا إلى الطاقات. لدينا أساتذة مبدعون، وتلاميذ متفوّقون، ونوادٍ علمية، ومواهب في التكنولوجيا والروبوتيك والموسيقى والمسرح والرياضة. لدينا معاهد قادرة على تقديم تجارب تستحق التوثيق، وشباب قادر على صناعة محتوى متميز متى توفّرت له الفرصة. فلماذا لا تتحوّل هذه الثروة البشرية إلى مادة تلفزيونية منتظمة؟

ليس المطلوب إنتاجات ضخمة بميزانيات خيالية، بل رؤية واضحة وإرادة حقيقية وبرمجة تحترم ذكاء الطفل واهتمامات الشاب. يمكن إطلاق مسابقات بين المعاهد، وبرامج أسبوعية للابتكار والإعلامية، وفضاءات لاكتشاف المواهب، وزيارات إلى المدارس والأرياف، وحصص تفاعلية يشارك فيها التلاميذ بدل أن يظلوا مجرّد متفرجين.

فإذا عجزت القناة الوطنية الثانية عن منح الأطفال والشباب مساحة منتظمة للإبداع والمعرفة والمنافسة، فما الدور الذي ننتظر منها أن تؤديه في بناء جيل الغد؟

إنّ تجديد الإنتاج التلفزي التونسي ليس ترفًا، بل ضرورة ثقافية وتربوية ومجتمعية. ومن حقنا أن نطالب بمحاسبة مهنية واضحة على مستوى جودة البرمجة، وطرح الأسئلة حول أولوياتها، والدعوة إلى تقييمها وفق ما تقدّمه للمواطن، لا وفق عدد ساعات البث التي تملؤها.

لسنا ضد إعادة الأعمال القديمة، ولا ضد نقل المباريات؛ لكننا ضد أن يصبح التكرار بديلًا عن الإبداع، وأن تتحوّل الشاشة العمومية إلى مساحة غائبة عن اهتمامات فئات واسعة من المجتمع.

تلفزة لا ترى أطفالها، ولا تسمع شبابها، ولا تفتح أبوابها لمواهبهم، تحتاج إلى مراجعة جادة لأولوياتها.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم على المسؤولين عن القناة بسيط ومحرج في آن واحد:

ماذا تقدّم تلفزتنا اليوم لطفل تونسي يريد أن يتعلّم، أو لشاب يريد أن يبدع، أو لتلميذ يحلم بأن يرى مدرسته على الشاشة؟

إن لم نجد جوابًا مقنعًا، فالمشكلة ليست في غياب المواهب التونسية، بل في غياب المساحة التي تستحقها على شاشة يفترض أنها شاشة الجميع.

أطفال تونس وشبابها ليسوا جمهور الغد فحسب؛ إنهم مواطنو اليوم، ومن حقهم أن يجدوا أنفسهم في إعلامهم الوطني.

مواضيع ذات صلة