الخريف الأوروبي: هل بدأ العدّ التنازلي لسقوط أوروبا؟…بقلم : محمد جمال الشرفي.
من السهل أن ننظر إلى المشهد الأوروبي اليوم ونستخدم عبارة «الخريف الأوروبي» باعتبارها عنواناً لمرحلة تتراجع فيها قوة القارة. لكن الفرق كبير بين الخريف وبين السقوط. أوروبا لا تبدو، وفق المعطيات الاقتصادية المتاحة في 2026، أمام انهيار وشيك، لكنها تواجه بالفعل مرحلة صعبة تتراكم فيها أزمات الطاقة والتنافس الصناعي والتغيرات الجيوسياسية وضعف الإنتاجية وارتفاع كلفة الدفاع والشيخوخة السكانية. صندوق النقد الدولي يتوقع نمو منطقة اليورو بنحو 0.9% في 2026 و1.2% في 2027، بينما تشير المفوضية الأوروبية إلى نمو الاتحاد الأوروبي بنحو 1.1% في 2026. هذه أرقام تعكس تباطؤاً وهشاشة، لكنها لا تعني بحد ذاتها سقوطاً.
المشكلة الحقيقية ليست في رقم النمو وحده، وإنما في السؤال الأكبر: هل تستطيع أوروبا المحافظة على موقعها الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي في عالم يتغير بسرعة؟ هنا تبدو الصورة أكثر تعقيداً. أوروبا تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بالولايات المتحدة، كما تواجه منافسة صناعية وتكنولوجية متصاعدة من الصين، بينما أصبحت الشركات الأوروبية أكثر تعرضاً لتقلبات الطاقة وسلاسل الإمداد والسياسات التجارية الأميركية. ويشير صندوق النقد إلى أن ضعف الإنتاجية، وتجزؤ الأسواق المالية، وارتفاع تكاليف الطاقة، كلها عوامل تضغط على القدرة التنافسية الأوروبية.
وإذا كان هناك شيء يمكن أن يطلق عليه «الخريف الأوروبي»، فهو إذن ليس سقوطاً مفاجئاً من فوق جبل، وإنما احتمال تراجع تدريجي في الوزن النسبي للقارة. أوروبا يمكن أن تبقى غنية وقوية ومؤثرة، ولكن أقل قدرة على فرض شروطها كما كانت في مراحل سابقة. وهذا فارق جوهري. فالدول لا تسقط دائماً عندما تفلس؛ أحياناً يبدأ تراجعها عندما تصبح قدرتها على المبادرة أبطأ من سرعة تغير العالم.
وتزداد الصورة تعقيداً بسبب الطاقة. أوروبا استطاعت منذ أزمة الغاز الروسي أن تخفض جزءاً مهماً من اعتمادها على الطاقة الروسية، واستثمرت في الطاقات المتجددة وتنويع مصادر الإمداد، لكنها ما زالت تواجه مشكلة ارتفاع تكلفة الطاقة بالنسبة إلى منافسيها الصناعيين. ويشير صندوق النقد إلى أن المستهلكين الصناعيين الأوروبيين دفعوا خلال السنوات الأخيرة أسعار كهرباء أعلى بكثير من منافسيهم في الولايات المتحدة والصين، وهو عامل يضغط بصورة مباشرة على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية بالنسبة إلى الضفة الجنوبية للمتوسط: ماذا يحدث لشمال أفريقيا إذا دخلت أوروبا فعلاً في مرحلة طويلة من الضعف الاقتصادي؟
المفارقة أن أوروبا ليست وحدها التي ستدفع الثمن. شمال أفريقيا مرتبط بها بدرجة كبيرة، ولذلك فإن ضعف أوروبا يمكن أن يتحول إلى صدمة جنوبية أيضاً. الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لتونس، إذ مثّل 59.5% من تجارتها في 2025، وذهبت 73.2% من الصادرات التونسية إلى السوق الأوروبية، كما يمثل الاتحاد الأوروبي أكبر مستثمر أجنبي في تونس، حيث يشكل 85% من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر.
الأمر نفسه يظهر في المغرب والجزائر، وإن بدرجات مختلفة. الاتحاد الأوروبي يمثل 33.7% من تجارة المغرب، فيما يمثل نحو 49.6% من تجارة الجزائر. وفي الحالة الجزائرية تحديداً، تأتي أهمية الطاقة في مقدمة العلاقة التجارية، إذ شكلت المنتجات المعدنية 93.2% من واردات الاتحاد الأوروبي من الجزائر في 2025.
لذلك فإن سقوطاً اقتصادياً أوروبياً، لو حدث، لن يكون خبراً أوروبياً فقط. المصانع المغاربية المرتبطة بالسوق الأوروبية ستتأثر، والاستثمارات الأوروبية يمكن أن تتراجع، والطلب على المنتجات القادمة من جنوب المتوسط يمكن أن ينخفض، كما يمكن أن تتأثر السياحة والتحويلات المالية. وفي المقابل، قد تستفيد بعض القطاعات في شمال أفريقيا من إعادة تموقع الشركات الأوروبية التي تبحث عن تكاليف إنتاج أقل وقرب جغرافي من السوق الأوروبية. أي أن الأزمة قد تحمل معها خسائر وفرصاً في الوقت نفسه.
وهنا تظهر مفارقة شديدة الأهمية: أوروبا قد تكون في حاجة إلى شمال أفريقيا أكثر مما كانت عليه في الماضي، حتى في الوقت الذي يحتاج فيه شمال أفريقيا إلى أوروبا. أوروبا تبحث عن الطاقة، والمواد الأولية، والمواقع الصناعية القريبة، واليد العاملة، والأسواق الجديدة، بينما تبحث دول الجنوب عن الاستثمار والتكنولوجيا والوصول إلى السوق الأوروبية. ولذلك فإن العلاقة بين الضفتين قد لا تنتهي مع «الخريف الأوروبي»، بل قد يعاد تشكيلها.
وفي حالة تونس، مثلاً، فإن السؤال الاستراتيجي لا ينبغي أن يكون فقط: ماذا يحدث إذا ضعفت أوروبا؟ بل: ماذا أعددنا نحن لليوم الذي قد تتغير فيه أوروبا؟ الاعتماد الكبير على سوق واحدة يمنح تلك السوق قوة تفاوضية كبيرة. فإذا كان أكثر من سبعة أعشار الصادرات التونسية يتجه إلى الاتحاد الأوروبي، فإن أي تباطؤ طويل في الطلب الأوروبي يصبح مسألة اقتصادية داخلية بالنسبة إلى تونس، وليس مجرد حدث خارجي.
ومن هنا تأتي العبارة الشهيرة: «من حفر جباً لأخيه وقع فيه». ولكن هل تنطبق فعلاً على أوروبا؟
إذا كان المقصود أن السياسات الأوروبية ساهمت في خلق بعض الظروف التي أصبحت ترتد عليها اليوم، فهناك عناصر تستحق النقاش. أوروبا فرضت خلال السنوات الماضية سياسات تجارية وبيئية وصناعية واسعة، واعتمدت طويلاً على الطاقة الروسية الرخيصة، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة بناء منظومة الطاقة بسرعة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا. كما أن الشركات الأوروبية تواجه اليوم منافسة من منتجات صينية أرخص ومن شركات أميركية أكثر حضوراً في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. المفوضية الأوروبية نفسها تشير إلى أن ضعف القدرة التنافسية، والوجود المحدود نسبياً للشركات الأوروبية في قطاعات الذكاء الاصطناعي سريعة النمو، يمثلان تحدياً للمرحلة المقبلة.
لكن اختزال الأمر في فكرة «أوروبا حفرت حفرة لنفسها» سيكون تبسيطاً مفرطاً. ما يحدث نتيجة تفاعل عدة عوامل: الحرب في أوكرانيا، اضطرابات الطاقة، التوترات في الشرق الأوسط، التحولات في التجارة العالمية، صعود الصين، تغير السياسة التجارية الأميركية، الشيخوخة السكانية، وضعف الإنتاجية، والتحول التكنولوجي. لا توجد دولة واحدة تتحكم منفردة في كل هذه المتغيرات.
أما السؤال الأكثر إثارة فهو: من المستفيد من ضعف أوروبا؟
الجواب الأكثر دقة هو أن المستفيد المحتمل ليس دولة واحدة بالضرورة. الولايات المتحدة قد تستفيد في بعض القطاعات، خصوصاً إذا اتجه رأس المال الأوروبي نحو الأسواق الأميركية أو زادت الشركات الأوروبية استثماراتها هناك، كما أن الولايات المتحدة تتمتع بموقع قوي في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة. الصين من جهتها قد تستفيد من اتساع الفجوة الصناعية والتكنولوجية إذا أصبحت الشركات الأوروبية أقل قدرة على المنافسة، وهي بالفعل مورد رئيسي للاتحاد الأوروبي، إذ شكلت الواردات الصينية 21.9% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي في الربع الثاني من 2026.
روسيا يمكن أن ترى في ضعف التماسك الأوروبي أو تراجع القدرة الاقتصادية الأوروبية مصلحة جيوسياسية، لكن الحرب والعقوبات جعلتا العلاقة الاقتصادية بين الطرفين مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل 2022. وتركيا يمكن أن تستفيد من موقعها بين أوروبا وآسيا ومن قربها الصناعي والجغرافي من السوق الأوروبية، وهي بالفعل خامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في 2025، بحجم تجارة تجاوز 217 مليار يورو.
أما دول الخليج، وبعض القوى الآسيوية، والهند، وحتى دول شمال أفريقيا نفسها، فقد تجد فرصاً جديدة إذا بدأت الشركات الأوروبية في البحث عن أسواق واستثمارات وشراكات خارج المراكز التقليدية. لكن ذلك لا يعني أن هذه الأطراف «تخطط لإسقاط أوروبا». لا توجد، في المعطيات المتاحة، أدلة تسمح بإسناد سقوط أوروبا إلى مؤامرة دولية واحدة أو إلى دولة واحدة. الأصح الحديث عن إعادة توزيع تدريجي للقوة الاقتصادية العالمية.
المفارقة الكبرى أن انهيار أوروبا لن يكون بالضرورة خبراً جيداً للعالم. الاتحاد الأوروبي ليس مجرد منافس للولايات المتحدة أو الصين؛ هو أيضاً أحد أكبر الأسواق العالمية ومركز صناعي ومالي وتجاري ضخم. وإذا دخل في أزمة عميقة وطويلة، فإن شركاءه في شمال أفريقيا سيكونون من بين المتضررين الأوائل بسبب حجم الترابط الاقتصادي. ولذلك فإن تونس والمغرب والجزائر ومصر لا ينبغي أن تتعامل مع «الخريف الأوروبي» باعتباره فرصة للفرح أو الشماتة، وإنما باعتباره إنذاراً استراتيجياً.
الخريف قد يكون مرحلة انتقال، وليس بالضرورة نهاية فصل كامل. أوروبا ما زالت تمتلك سوقاً ضخمة، ورأس مال بشرياً ومؤسسات قوية، وقدرة علمية وصناعية، ومدخرات كبيرة، وشبكة تجارية واسعة. وصندوق النقد يرى أن إصلاح السوق الموحدة، وتعميق الأسواق المالية، وتحسين الإنتاجية والطاقة يمكن أن يرفع القدرة الاقتصادية الأوروبية بصورة ملموسة.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ إذا تحول الخريف إلى شتاء طويل: نمو ضعيف، طاقة مرتفعة الكلفة، صناعة تتراجع، شيخوخة سكانية، إنفاق دفاعي متزايد، وتنافس تكنولوجي لا تستطيع أوروبا مجاراته بالسرعة المطلوبة. عندها لن يكون السؤال «هل تسقط أوروبا؟»، بل «كم ستتراجع أوروبا، ومن سيملأ الفراغ الذي تتركه؟».
وبالنسبة إلى شمال أفريقيا، السؤال أخطر وأهم: هل نستمر في انتظار ما تقرره أوروبا، أم نبدأ في بناء اقتصاد يستطيع التعامل مع أوروبا القوية وأوروبا الضعيفة في الوقت نفسه؟
ربما يكون الدرس الأهم من «الخريف الأوروبي» أن الدول لا ينبغي أن تبني مستقبلها على افتراض بقاء شريك واحد قوياً إلى الأبد. أوروبا تحتاج إلى شمال أفريقيا، وشمال أفريقيا يحتاج إلى أوروبا، لكن المستقبل لن يكون لمن ينتظر الآخر، بل لمن يستطيع تنويع شراكاته، تطوير إنتاجه، امتلاك التكنولوجيا، واستغلال موقعه الجغرافي في عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة.
المصادر: صندوق النقد الدولي، المفوضية الأوروبية، يوروستات، البنك الدولي.




