صفاقس والنقل العمومي: غياب الرؤية والاستراتيجية…بقلم : محمد جمال الشرفي.

صفاقس والنقل العمومي: غياب الرؤية والاستراتيجية…بقلم : محمد جمال الشرفي.

18 أكتوبر 2026، 20:45

أصبح النقل العمومي داخل مدينة صفاقس واحدا من أكثر الملفات إلحاحا وإزعاجا بالنسبة إلى المواطن، في ظل صعوبات التنقل اليومية وتزايد الضغط على وسائل النقل المتوفرة. فالتنقل داخل المدينة ومحيطها لم يعد مجرد مسألة خدماتية عادية، بل تحول إلى مشكل يومي يستهلك وقت المواطن وجهده، ويؤثر بصورة خاصة على الطلبة والتلاميذ والعمال الذين يجدون أنفسهم أمام رحلة يومية شاقة بين الانتظار والاكتظاظ وعدم انتظام وسائل النقل.
المفارقة أن النقل الجماعي يمثل في عديد المناطق والولايات وسيلة أساسية لتسهيل حركة المواطنين وربط الأحياء والمناطق ببعضها، بينما لا تزال صفاقس تبحث عن صيغة قادرة على الاستجابة لحجم حاجياتها المتزايدة. وهنا يطرح السؤال نفسه بوضوح: لماذا لم يتم إلى اليوم تطوير منظومة نقل جماعي تتلاءم مع خصوصية مدينة صفاقس، وحجمها العمراني والسكاني، وطبيعة الحركة اليومية داخلها؟
المشكل لا يكمن بالضرورة في غياب وسائل النقل فقط، وإنما في غياب تصور متكامل لمنظومة النقل داخل المدينة. فالاعتماد على سيارات التاكسي الجماعي بصيغتها الحالية لا يمكن أن يكون الحل الوحيد، لأن طبيعة المدينة وحجم الطلب على التنقل يتطلبان التفكير في وسائل أخرى أكثر قدرة على نقل عدد أكبر من المواطنين، وأكثر انتظاما من حيث المسارات والمحطات والتوقيت.
ومن بين الحلول التي تستحق الدراسة إحداث رخص خاصة للنقل الجماعي داخل مدينة صفاقس، تكون موجهة إلى سيارات كبيرة تتسع لنحو تسعة ركاب، أو حافلات صغيرة تتراوح طاقتها بين 15 و20 مقعدا. مثل هذه الوسائل يمكن أن تشكل حلقة وسطى بين التاكسي الجماعي والحافلة التقليدية، وتسمح بإحداث خطوط ومسارات أكثر مرونة، مع إمكانية الوصول إلى الأحياء والمناطق التي يصعب على الحافلات الكبيرة خدمتها بصفة منتظمة.
الفكرة ليست في إضافة وسيلة نقل جديدة فحسب، وإنما في بناء منظومة متكاملة لها مسارات واضحة ومحطات مخصصة ونقاط تجمع معروفة وتوقيت مضبوط ورقابة وتنظيم. فنجاح أي تجربة للنقل الجماعي لا يرتبط بحجم السيارة أو عدد المقاعد فقط، وإنما بطريقة إدماجها داخل شبكة نقل متكاملة تستجيب للحاجيات الحقيقية للمواطنين.
وهنا تبرز مسؤولية الولاية وسلطة الإشراف في فتح هذا الملف بجدية، ليس فقط من خلال تشخيص الوضع، وإنما عبر المطالبة بإيجاد حلول عملية وقابلة للتنفيذ، ودراسة إمكانية إحداث هذا الصنف من النقل الجماعي بصفاقس، مع توفير المحطات والمسارات والأطر التنظيمية اللازمة له. فالمطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة الحديث عن أزمة النقل إلى مرحلة البحث عن بدائل واضحة وتجريبها وتقييم نتائجها.
صفاقس مدينة اقتصادية كبرى، وحركتها اليومية لا تتوقف. وعندما يصبح الوصول إلى الجامعة أو المعهد أو مقر العمل رحلة مرهقة، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة براحة المواطن فقط، بل تصبح مرتبطة بقدرة المدينة على العمل والإنتاج والحفاظ على جاذبيتها. الطالب الذي يقضي وقتا طويلا في انتظار وسيلة نقل أو التنقل بين أكثر من وسيلة، والتلميذ الذي يواجه يوميا ظروفا صعبة للوصول إلى مؤسسته التعليمية، والعامل الذي يستنزف جزءا كبيرا من يومه في التنقل، جميعهم يدفعون ثمن غياب الحلول المناسبة.
لذلك فإن معالجة النقل العمومي في صفاقس تحتاج إلى رؤية مختلفة تقوم على تنويع وسائل النقل وعدم حصر الحل في التاكسي الجماعي أو الحافلات التقليدية. النقل الجماعي بسيارات ذات تسعة مقاعد أو حافلات صغيرة من 15 إلى 20 مقعدا يمكن أن يكون أحد الخيارات المطروحة، إلى جانب تطوير شبكة الحافلات، وتنظيم المحطات، وإعادة النظر في المسارات وفق الكثافة السكانية ومواقع المؤسسات التعليمية والاقتصادية والخدماتية.
المطلوب اليوم ليس مشروعا مؤجلا إلى سنوات قادمة، وإنما إجراءات سريعة لدراسة الوضع وإطلاق حلول قابلة للتجربة في عدد من المسارات داخل المدينة، ثم تقييمها وتوسيعها إذا أثبتت نجاعتها. فكل يوم يمر دون معالجة جدية يعني مزيدا من الضغط على المواطن ومزيدا من الاختناق في حركة المرور ومزيدا من الوقت الضائع بالنسبة إلى الطلبة والتلاميذ والعمال.
صفاقس تحتاج إلى استراتيجية نقل واضحة، لا إلى حلول ظرفية متفرقة. وتحتاج إلى أن يكون النقل العمومي جزءا من التخطيط الحضري للمدينة، وليس مجرد خدمة يتم التعامل معها كلما تفاقمت الأزمة. إن إيجاد نقل جماعي مرن، منظم، متعدد الأحجام والوسائل، ومدمج ضمن شبكة واضحة، يمكن أن يمثل مدخلا واقعيا لمعالجة جزء مهم من أزمة التنقل.
وفي النهاية، فإن السؤال لم يعد هل تحتاج صفاقس إلى حل لمشكل النقل العمومي، لأن الحاجة أصبحت واضحة في الحياة اليومية للمواطن، وإنما أصبح السؤال: متى تبدأ الجهات المعنية في بناء هذا الحل، وما هي الخيارات التي ستضعها على الطاولة؟ الوقت لم يعد يسمح بتأجيل الملف، والحاجة أصبحت تفرض التفكير في حلول عملية وسريعة، وفي مقدمتها إحداث منظومة نقل جماعي جديدة تتلاءم مع خصوصية صفاقس وتستجيب لحاجيات سكانها.

مواضيع ذات صلة