المسدّي : ما يحدث اليوم في تونس ليس أحداثًا معزولة بل مشهد يكشف حجم الأزمة التي تعيشها الدولة
في يوم واحد، تخرج مظاهرات تطالب بترحيل المهاجرين غير النظاميين وتطبيق القانون وحماية السيادة الوطنية، وفي المقابل تتحرك شبكات سياسية وجمعيات معروفة بعلاقاتها بالتمويلات الأجنبية تحت شعارات اجتماعية ظاهرها الدفاع عن الشعب، بينما هدفها الحقيقي إعادة تدوير المنظومة التي عبثت بالدولة والهروب من المحاسبة.
وفي نفس الوقت، تتواصل حالة الغضب في صفاقس بسبب التهميش وتعطيل المشاريع الكبرى وغياب القرارات الحقيقية. صفاقس التي تحملت لسنوات أعباء الهجرة والفوضى والتلوث والتهميش، مازالت تُقابل بالوعود فقط: لا مترو خفيف، لا مدينة رياضية، لا تبرورة، ولا رؤية اقتصادية تعيد الثقة للناس.
كل هذه الملفات مترابطة، لأن أصل الأزمة واحد: دولة لم تحسم خياراتها بعد.
فالتونسي اليوم لم يعد يحتمل غلاء الأسعار والبطالة وتعطل المشاريع، وفي نفس الوقت يرى شبكات الجمعيات واللوبيات تتحرك بكل قوة لحماية مصالحها والضغط لإيقاف مسار المحاسبة، بينما الحكومة تلتزم الصمت وكأن البلاد لا تعيش على صفيح ساخن.
والحلول موجودة ويمكن أن تكون سريعة إذا توفرت الإرادة السياسية:
أولًا: إعادة قانون الصلح الجزائي إلى البرلمان وتنقيحه بشكل جدي حتى يصبح قابلًا للتطبيق، بما يسمح باسترجاع الأموال وضخها مباشرة في خزينة الدولة وتمويل المشاريع المعطلة والتنمية في الجهات، وخاصة في صفاقس، مع إنهاء مناخ الابتزاز والمتاجرة بملفات رجال الأعمال.
ثانيًا: مواصلة المحاسبة في ملف الجمعيات والتمويلات الأجنبية، وفتح كل الملفات المتعلقة بالشبكات التي استغلت العمل الجمعياتي والإعلامي والسياسي لخدمة أجندات خارجية، تصنيف حركة النهضة تنظيما ارهابيا مع اتخاذ إجراءات قانونية حاسمة ضد أي تنظيم أو هيكل يثبت تورطه في دعم الإرهاب أو تبييض الأموال أو المساس بالأمن القومي.
ثالثًا: تحوير وزاري عميق يضع الكفاءات الحقيقية في مواقع القرار، مع محاسبة المسؤولين عن تعطيل المشاريع والفشل الإداري، وفتح ملفات المؤسسات الحساسة وعلى رأسها قطاع الطاقة وETAP وكل الملفات التي ينتظر الشعب كشف حقيقتها.
تونس اليوم لا ينقصها التشخيص… بل ينقصها القرار.
والشعب لم يعد يطلب خطابات، بل يريد دولة قوية تتحرك، تحاسب، تنجز وتحمي السيادة الوطنية قبل فوات الأوان





