المشهد الإعلامي في تونس بعد 2011: من تعدد المنابر إلى أزمة المضمون والإنتاج…بقلم : محمد جمال الشرفي
منذ سنة 2011، شهد المشهد الإعلامي في تونس تحولات كبيرة، كان من أبرزها اتساع عدد القنوات التلفزية والإذاعات الخاصة إلى جانب المؤسسات الإعلامية العمومية. وأصبح المشهد أكثر تعددًا من حيث عدد المنابر والبرامج والأصوات التي تستطيع الوصول إلى الجمهور. وكان من المنتظر أن يؤدي هذا التوسع إلى خلق منافسة حقيقية في جودة المحتوى، وأن تساهم كثرة القنوات والإذاعات في تطوير النقاش العام، وتقديم برامج سياسية واقتصادية وعلمية وثقافية واجتماعية، إضافة إلى دعم الإنتاج التونسي وفتح المجال أمام الطاقات الشابة والمبدعين.
لكن الواقع الذي تشكل خلال السنوات الماضية يطرح سؤالًا مختلفًا: هل أدى تعدد المنابر الإعلامية فعلًا إلى تعدد في الأفكار والمضامين، أم أننا حصلنا في كثير من الأحيان على تعدد في القنوات مع محدودية في المحتوى؟
المشكلة لا تكمن في عدد القنوات والإذاعات في حد ذاته، بل في طبيعة ما يُقدَّم للجمهور. فالإعلام لا يقاس بعدد ساعات البث ولا بعدد البرامج، وإنما بقدرته على تفسير الواقع، ومناقشة القضايا التي تهم المواطن، ومراقبة أداء المؤسسات، وإنتاج المعرفة، وإعطاء مساحة حقيقية للرأي المختلف. وعندما تتحول نسبة كبيرة من ساعات البث إلى برامج ترفيهية سطحية أو محتويات استهلاكية متكررة، فإن تعدد المنابر يفقد جزءًا كبيرًا من قيمته.
ومن أكثر الظواهر التي تستحق النقاش توسع مساحة البرامج التجارية والإشهارية داخل بعض المنابر الإعلامية. فقد أصبحت بعض القنوات والإذاعات تعتمد بشكل كبير على برامج بيع الأواني والمنتجات المنزلية والمواد الاستهلاكية وغيرها من السلع. والإشهار في حد ذاته ليس مشكلة، لأن الإعلام يحتاج إلى موارد مالية حتى يستمر. لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح الجانب التجاري هو الذي يحدد مضمون الوسيلة الإعلامية، أو عندما تصبح ساعات البث أقرب إلى مساحة تجارية طويلة بدل أن تكون مساحة إعلامية بالمعنى المهني.
الأمر نفسه ينطبق على انتشار المسلسلات الأجنبية، وخاصة المسلسلات التركية المدبلجة. لا توجد مشكلة في الانفتاح على الإنتاج الدرامي العالمي، بل إن التبادل الثقافي جزء طبيعي من عمل وسائل الإعلام. لكن المشكلة تظهر عندما يصبح استيراد الأعمال الأجنبية أسهل وأقل تكلفة من الاستثمار في الإنتاج المحلي، وعندما تتراجع الدراما التونسية والإنتاجات التي تعكس المجتمع التونسي وتاريخه وتنوعه الثقافي والاجتماعي. الإعلام الوطني لا يفترض أن يعيش في عزلة عن العالم، لكنه مطالب في الوقت نفسه بأن يمنح الإنتاج المحلي مكانته.
ومن الملاحظ أيضًا تراجع حضور البرامج السياسية والاقتصادية والتحليلية المتخصصة مقارنة بما يحتاجه المجتمع. المواطن التونسي يعيش يوميًا مع ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، ومشاكل التشغيل، والاستثمار، والمالية العمومية، والصحة، والتعليم، والنقل، والطاقة، والفلاحة، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية التي تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تونس. وهذه الملفات تحتاج إلى صحافة تفسيرية وتحليل اقتصادي وسياسي جدي، لا إلى الاكتفاء بالتصريحات أو نقل الأخبار كما هي.
الإعلام لا يجب أن يكتفي بإخبار المواطن بأن قرارًا حكوميًا صدر، بل عليه أن يشرح له ماذا يعني هذا القرار، ومن سيتأثر به، وما تكلفته، وما البدائل الممكنة، وما الذي حدث في دول أخرى في المجال نفسه. هذه هي الوظيفة التي تجعل الإعلام مؤسسة معرفية وليست مجرد قناة لنقل المعلومات.
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ترتبط بعض المؤسسات الإعلامية بمصالح اقتصادية ومالية لأصحابها أو بالمعلنين والشركات التي تمولها. هنا تبرز ضرورة الفصل الواضح بين العمل الإعلامي والمصالح التجارية والسياسية. فالوسيلة الإعلامية التي تصبح مرتبطة بشكل مفرط بمصالح صاحب المؤسسة أو المعلن يمكن أن تجد نفسها أمام تضارب بين ما يفترض أن تقوله للجمهور وما يخدم مصالحها الاقتصادية.
وهذا لا يعني اتهام جميع المؤسسات الإعلامية أو جميع الصحفيين بعدم الاستقلالية، وإنما يعني أن نموذج تمويل الإعلام يحتاج إلى مراجعة جدية. فالصحافة المستقلة تحتاج إلى نموذج اقتصادي يسمح لها بالبقاء دون أن تصبح رهينة للإشهار أو للممولين أو للضغوط السياسية.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل المؤسسات الإعلامية وحدها مسؤولية الأزمة. فالجمهور نفسه تغير. الشباب التونسي، خصوصًا، لم يعد ينتظر البرنامج التلفزي أو الإذاعي في موعده كما كان يحدث في الماضي. الهاتف أصبح شاشة شخصية، ومنصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب وغيرها أصبحت فضاءات رئيسية لاستهلاك الأخبار والترفيه والمعلومة.
هذا التحول لا يعني أن الجمهور فقد اهتمامه بالإعلام، بل يعني أنه أصبح أكثر قدرة على اختيار ما يشاهده ومتى يشاهده. فإذا لم تقدم القناة أو الإذاعة محتوى جذابًا ومفيدًا، يستطيع المواطن الانتقال خلال ثوانٍ إلى منصة أخرى. لذلك أصبحت المنافسة الحقيقية اليوم ليست فقط بين قناة وقناة أو إذاعة وإذاعة، وإنما بين الإعلام التقليدي وكل المحتوى الموجود على الفضاء الرقمي.
ومن المفارقات أن المؤسسات الإعلامية التونسية نفسها أصبحت موجودة بقوة على هذه المنصات. فهي تبث برامجها على فيسبوك ويوتيوب وإنستغرام وتيك توك، وتنشر مقتطفات من الحوارات والأخبار، وتعيد توزيع محتواها على أكثر من منصة. وهذا التحول إيجابي في حد ذاته، لكنه يطرح سؤالًا آخر: هل نحن أمام تحول حقيقي في طريقة صناعة المحتوى، أم مجرد نقل للبرنامج التلفزي أو الإذاعي القديم إلى شاشة الهاتف؟
الجيل الجديد لا يريد فقط أن يرى البرنامج نفسه على منصة مختلفة. إنه يريد محتوى مصممًا للفضاء الرقمي، سريعًا عندما تكون السرعة مطلوبة، وعميقًا عندما تكون القضية بحاجة إلى تحليل، وتفاعليًا عندما يكون النقاش العام مهمًا. لذلك فإن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني إنشاء صفحة على فيسبوك، وإنما تغيير طريقة التفكير في صناعة المحتوى وتوزيعه.
وفي هذا السياق، تبرز أيضًا مسألة حضور المؤسسات الرسمية للدولة في الفضاء الرقمي. فقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي بالنسبة إلى المواطن مصدرًا أساسيًا للمعلومات المتعلقة بقرارات الحكومة والوزارات والإجراءات الإدارية. لكن المنظومة الرسمية للإعلام والاتصال العمومي يفترض أن تكون أكثر تنظيمًا ووضوحًا، وأن توفر للمواطن المعلومة الرسمية في منصات مؤسساتية سهلة الوصول، مع الحفاظ على دور المؤسسات الإعلامية العمومية في تفسير القرارات ومناقشة آثارها، وليس فقط إعادة نشرها.
أما الإعلام العمومي، فتطرح وضعيته سؤالًا أكثر إلحاحًا. عندما تعتمد القنوات والإذاعات العمومية بدرجة كبيرة على إعادة بث برامج وإنتاجات قديمة، فإن المشكلة لا تكون فقط في نقص الميزانية، وإنما أيضًا في غياب استراتيجية واضحة للإنتاج. المؤسسة العمومية التي تمتلك أرشيفًا غنيًا تستطيع الاستفادة منه، لكن الأرشيف لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن الإنتاج الجديد.
الإعلام العمومي يفترض أن يكون مختبرًا للإنتاج الوطني. عليه أن يفتح المجال أمام الكتاب والمخرجين والصحفيين والباحثين والموسيقيين والفنانين والمنتجين الشباب. عليه أن ينتج برامج للأطفال، وبرامج علمية، ووثائقيات، وبرامج اقتصادية، وحوارات سياسية، وبرامج ثقافية، وأعمالًا درامية، وأن يخرج من منطق إعادة البث إلى منطق صناعة المحتوى.
المشكلة الأساسية إذن ليست فقط في عدد القنوات والإذاعات، وإنما في اقتصاد الإعلام، وفي نموذج الإنتاج، وفي تكوين الصحفيين، وفي إدارة المؤسسات، وفي علاقة الإعلام بالمعلن والممول، وفي قدرة المؤسسات على فهم التحولات الرقمية، وفي غياب رؤية بعيدة المدى للإنتاج الثقافي والإعلامي.
رفع مستوى الإعلام التونسي يحتاج قبل كل شيء إلى الانتقال من منطق “ملء ساعات البث” إلى منطق “صناعة محتوى له قيمة”. وهذا يتطلب إنشاء سياسات واضحة لدعم الإنتاج التونسي، وخاصة الإنتاج الوثائقي والدرامي والثقافي والعلمي، وتشجيع المنتجين المستقلين والشباب، وتطوير آليات التمويل على أساس الجودة والمشاريع وليس على أساس العلاقات.
كما تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى الاستثمار في الصحفي المتخصص. صحفي الاقتصاد ليس مجرد صحفي ينقل أرقامًا من بيان رسمي، والصحفي السياسي ليس مجرد شخص يدير حوارًا بين ضيفين. المجتمع يحتاج إلى صحفي يستطيع قراءة الميزانية، وفهم المؤشرات الاقتصادية، وتحليل التشريعات، وشرح القرارات، والتحقق من المعلومات، وربط الأحداث المحلية بما يحدث في العالم.
وتحتاج المؤسسات العمومية، بصورة خاصة، إلى استراتيجية إنتاج تمتد لعدة سنوات بدل العمل بمنطق الموسم والبرنامج والظرف. يمكن أن يكون للإذاعة والتلفزة العموميتين أرشيفهما مصدرًا للإنتاج الجديد، من خلال إعادة تقديمه بطريقة حديثة، وإنتاج وثائقيات تستفيد من المادة الأرشيفية، وإعادة اكتشاف الشخصيات والأحداث التي صنعت تاريخ تونس.
كما أن الحل لا يكمن في مطالبة الجمهور بمشاهدة محتوى لا يجده مثيرًا للاهتمام. على العكس، المطلوب هو الذهاب إلى الجمهور حيث يوجد، وفهم عاداته الجديدة، وإنتاج محتوى تلفزي وإذاعي ورقمي في الوقت نفسه. البرنامج الناجح اليوم يمكن أن يكون له بث تلفزي، ونسخة إذاعية، وحلقات قصيرة للمنصات الرقمية، وحوار تفاعلي، ومواد إضافية للنشر على شبكات التواصل.
والأهم من ذلك كله هو إعادة الاعتبار إلى فكرة أن الإعلام خدمة عامة، حتى عندما يكون خاصًا. المؤسسة الإعلامية الخاصة لها الحق في تحقيق الربح، لكن الربح لا ينبغي أن يلغي المسؤولية تجاه المجتمع. والمؤسسة العمومية لها مسؤولية أكبر، لأنها مرتبطة بالمال العام وبحق المواطن في إعلام مهني ومتوازن.
تونس لا تعاني من نقص في الصحفيين ولا من نقص في الطاقات الإبداعية. المشكلة الحقيقية هي في كيفية تنظيم هذه الطاقات وتحويلها إلى إنتاج مستمر قادر على المنافسة. لدينا كتاب ومخرجون وممثلون وتقنيون وصحفيون وموسيقيون وباحثون وشباب قادرون على صناعة محتوى جيد، لكنهم يحتاجون إلى سوق إعلامية حقيقية، وتمويل واضح، وفرص إنتاج، وإدارة مهنية، ومساحة تسمح بالتجربة.
المطلوب اليوم ليس العودة إلى إعلام ما قبل 2011، وليس كذلك ترك السوق الإعلامية تسير دون قواعد مهنية واقتصادية واضحة. المطلوب بناء مرحلة جديدة يكون فيها تعدد المنابر مصحوبًا بتعدد حقيقي في الأفكار، ويكون فيها الاستثمار في المحتوى مساويًا للاستثمار في البث والتقنيات.
الإعلام التونسي يحتاج إلى مشروع جديد، لا إلى مجرد تغيير البرامج. مشروع يعيد تعريف العلاقة بين الصحفي والمواطن، وبين المؤسسة الإعلامية والمعلن، وبين الإعلام والدولة، وبين الإنتاج المحلي والمنصات الرقمية. وإذا نجحت تونس في بناء هذا النموذج، فإن كثرة القنوات والإذاعات لن تكون عبئًا على المشهد الإعلامي، بل يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية وثقافية وإبداعية حقيقية.
في النهاية، السؤال ليس: كم قناة تلفزية لدينا؟ وكم إذاعة؟ السؤال الأهم هو: ماذا نقدم للمواطن؟ وماذا ننتج لتونس؟ وما القيمة التي نضيفها إلى حياة الناس؟
عندما يصبح هذا السؤال هو نقطة الانطلاق، يمكن أن يبدأ إصلاح الإعلام فعليًا.




