حين تتصدّع الأسرة… من يدفع الثمن؟….ناجح الصّيد
التفكك الأسري وتراجع الحضور العائلي وانعكاساته على جيل جديد من الأطفال في تونس
في زمن تتسارع فيه الحياة، وتتغير فيه أنماط العيش والعلاقات، تبدو الأسرة التونسية أمام تحديات لم تكن بهذا الحجم قبل سنوات. لم يعد التفكك الأسري مجرد خلافات بين الزوجين أو انفصال يحدث داخل بعض البيوت، بل أصبح في بعض الحالات حالة أوسع من غياب الحوار، وتراجع الحضور العاطفي للوالدين، وانشغال الكبار عن الأطفال، وترك الأبناء يواجهون عالمًا متغيرًا دون مرافقة أو توجيه كافٍ.
والأخطر أن الطفل لا يحتاج فقط إلى سقف يحميه وطعام يوفر له حاجاته الأساسية؛ إنه يحتاج إلى أسرة يشعر داخلها بأنه مسموع، ومحبوب، ومقبول، وأن هناك من يضع له الحدود ويعلّمه معنى المسؤولية والاحترام.
طفل يعيش في بيت… لكنه وحيد
قد تكون الأسرة موجودة في المكان، لكنها غائبة في المعنى.
أب منشغل بالعمل أو الهاتف، وأم مثقلة بأعباء الحياة، وأطفال يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات أو خارج البيت، بينما يقل الحوار الحقيقي داخل الأسرة. ومع مرور الوقت، قد يصبح الهاتف هو الصديق، والشارع هو المدرسة، ووسائل التواصل الاجتماعي هي المصدر الأساسي للأفكار والصور والنماذج التي يتعلم منها الطفل كيف ينظر إلى نفسه وإلى الآخرين.
المشكلة ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، وإنما في غياب المرافقة الأسرية التي تساعد الطفل على فهم ما يراه، والتمييز بين الصواب والخطأ، وبين الواقع والصورة المصطنعة التي تقدمها بعض المنصات.
عندما تتراجع الأسرة… تتقدم المؤثرات الأخرى
الطفل الذي لا يجد الإصغاء في البيت قد يبحث عنه خارجه.
والطفل الذي لا يجد القدوة داخل أسرته قد يبحث عنها في الشارع أو بين أصدقائه أو على الإنترنت. وهنا يمكن أن تظهر مخاطر عديدة: رفاق السوء، السلوكيات العدوانية، الهروب من المدرسة، الاستهتار بالقواعد، التدخين أو تعاطي المواد الخطرة لدى بعض المراهقين، أو الانخراط في سلوكيات مخالفة للقانون.
لكن من المهم ألا ننظر إلى كل طفل منحرف باعتباره “طفلًا سيئًا”. ففي كثير من الحالات يكون السلوك المقلق إشارة إلى مشكلة أعمق: حاجة إلى الاهتمام، أو شعور بالإهمال، أو صراع داخل الأسرة، أو ضغط نفسي، أو رغبة في إثبات الذات والانتماء إلى مجموعة.
الانحلال القيمي… هل المشكلة في الجيل الجديد وحده؟
كثيرًا ما نسمع عبارة: “جيل اليوم لم يعد كما كان”.
لكن السؤال الأكثر أهمية هو: من الذي يربي هذا الجيل؟ ومن يترك له المجال ليختار مصادر قيمه؟
القيم لا تُكتسب من المواعظ وحدها. الطفل يتعلم الصدق عندما يرى الصدق، ويتعلم احترام الآخرين عندما يُحترم، ويتعلم المسؤولية عندما يرى الكبار يتحملون مسؤولياتهم.
لذلك فإن الحديث عن تراجع بعض القيم في المجتمع يجب ألا يتحول إلى اتهام جماعي للأطفال والمراهقين. الجيل الجديد هو في النهاية نتيجة البيئة التي يعيش فيها: الأسرة، والمدرسة، والحي، والإعلام، والإنترنت، والظروف الاقتصادية والاجتماعية.
المدرسة وحدها لا تستطيع أن تقوم بدور الأسرة
يجد المدرّس نفسه اليوم أمام تحديات تتجاوز أحيانًا حدود العملية التعليمية. فهو لا يعلّم الرياضيات أو اللغات أو الإعلامية فقط، بل يواجه أيضًا مشاكل سلوكية ونفسية واجتماعية لدى بعض التلاميذ.
لكن المدرسة، مهما كان دورها مهمًا، لا تستطيع أن تعوض غياب الأسرة.
الأستاذ يستطيع أن يوجه، وينصح، ويؤطر، ويكتشف بعض الإشارات المبكرة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الأب والأم. ولهذا فإن حماية الأطفال مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة.
أطفال يدفعون ثمن مشاكل الكبار
في حالات الطلاق والصراعات العائلية، قد يتحول الطفل أحيانًا إلى طرف في معركة لا علاقة له بها.
يسمع كلامًا عن أحد والديه، أو يعيش توترًا مستمرًا، أو ينتقل بين بيتين، أو يشعر بأنه مضطر إلى اختيار طرف ضد آخر. وقد لا تظهر آثار ذلك مباشرة، لكنها قد تنعكس على سلوكه ودراسته وعلاقاته بالآخرين.
ولهذا فإن انتهاء العلاقة الزوجية لا يعني بالضرورة انتهاء مسؤولية الأب والأم. الزواج قد ينتهي، لكن الأبوة والأمومة لا تنتهيان.
تونس تحتاج إلى استعادة معنى الأسرة
المطلوب ليس العودة إلى الماضي بشكل أعمى، ولا تحميل الأمهات أو الآباء وحدهم مسؤولية كل مشاكل المجتمع.
المطلوب هو إعادة الاعتبار إلى الأسرة باعتبارها فضاءً للحوار والتربية والأمان.
نحتاج إلى آباء وأمهات يجدون وقتًا لأبنائهم، وإلى مدارس أكثر قدرة على الإحاطة النفسية والاجتماعية، وإلى إعلام أكثر مسؤولية، وإلى فضاءات آمنة للشباب، وإلى سياسات اجتماعية تخفف الضغوط التي تعيشها العائلات.
فالطفل الذي يجد الحب والإنصات والحدود الواضحة داخل أسرته يكون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
قبل أن نحاسب الجيل الجديد… فلنسأل أنفسنا
ربما آن الأوان أن نتوقف قليلًا عن وصف الشباب بأنه “جيل ضائع”، وأن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا:
هل أعطينا هذا الجيل ما يكفي من الوقت والحوار والقدوة والاحتواء؟
فالأطفال لا يولدون منحرفين، والقيم لا تختفي فجأة. إنها تُبنى يوميًا داخل البيت والمدرسة والمجتمع، كما يمكن أن تتآكل تدريجيًا عندما يغيب الحوار وتضعف الرقابة الإيجابية ويشعر الطفل بأنه وحيد.
إن إنقاذ الأسرة ليس دفاعًا عن الماضي، بل استثمار في المستقبل.
لأن المجتمع الذي يهمل طفولته اليوم، قد يدفع ثمن ذلك غدًا في صورة مشاكل تربوية ونفسية واجتماعية أكثر تعقيدًا.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: “ماذا حدث لأطفالنا؟”
بل ربما يكون السؤال الأصدق:
“ماذا فعلنا نحن حتى وصلوا إلى هنا؟”




