تطور علم الإجتماع من المؤسس عبد الرحمان بن خلدون إلى النمذجة الفيزيائية المعاصرة….ياسين فرحاتي
ملخص :
يتناول هذا البحث العلمي دراسة علم الإجتماع من خلال فكر عبدالرحمن بن خلدون و تطور النظريات الحديثة في هذا العلم و قد اعتمدنا على مجموعة من الباحثين التونسيين المرموقين و من العرب و الغربيين أيضا، خصوصا في ما يتعلق بعدد من المدارس الحديثة و العامل المشترك بينها و كما سنرى يتعلق بمبادئ فيزيائية خصوصا ميكانيكا نيوتن و السيبرنيطيقا في ما يعرف بالنسق المفتوح، و لذلك نجد أن علم الإجتماع قد اتخذ إسما آخر له هي الفيزياء الاجتماعية.
كلمات مفاتيح : علم الإجتماع، عبد الرحمان بن خلدون، المدارس الحديثة ، الفيزياء الاجتماعية
من المفكرين التونسيين الذي أسهموا بأصالة بحثهم في دراسة فلسفة عبد الرحمان بن خلدون البروفيسور فتحي التريكي رئيس معهد تونس للفلسفة الذي خص الإذاعة الوطنية التونسية في الآونة الأخيرة من سنة 2026، بمشاركة متميزة ضمن برنامج ” إبن خلدون فيلسوف التاريخ ” في إطار التعريف بفلاسفة العرب القدامى و المعاصرين.
و أثناء محاورة فيلسوفنا الجليل استهل حديثه بالقول :” لم يكن إبن خلدون فيلسوفا على منوال ما نسميه بالفلاسفة المشائين على غرار الفارابي و إبن سينا و إبن رشد. هؤلاء الفلاسفة الذين فكروا في قضايا كبرى كالإله و الإنسان و العالم، بل كذلك حاول أن يفند على عدم جدوى هذه القضايا على الأقل في ما يخص منهجيته أو في منهجية العلم الذي أراد أن يؤسسه إبن خلدون و هو أن يضع علما جديدا يتمثل في كيفية قراءة التاريخ، لقد أراد أن يربط التاريخ بالعمران البشري أساسا يعني بالمجتمع. هذه الرؤية كان لا بد لها من تأسيس فكرة الفلسفي. العلم الذي يعتمد منهجية منطقية واضحة و لذلك في الباب السادس، نفى إبن خلدون جدوى كل الطرق الميتافيزيقية إلا علما واحدا اعتمده و بين جدواه هو ما يسمى ب”شحذ الأدلة” و هو المنطق ( الذي هو علم يعصم الذهن عن الخطأ في اقتناص المطالب المجهولة من الأمور الحاصلة المعلومة و فائدته تمييز الخطأ من الصواب في ما يلتمسه الناظر في الموجودات و عوارضها…).”
و يضيف أيضا:” أنه بحسب إبن خلدون توجد درجات في العقل : هناك درجة أولى هي التعقل، تعقل الأشياء أي أن نتصورها و هذه التصورات تجعلنا نميز بين الأشياء مثل الجميل و القبيح و الخير و الشر. و هناك درجة ثانية هي العقل التجريبي، يستخرج الحقائق من تجارب و من تفكير و هي درجة أعلى بكثير من الدرجة الأولى و هي ضرورية في كل العلوم تقريبا. و الدرجة الثالثة هي درجة العقل المحض، العقل الكامل تستطيع أن تكون تصورا كاملا للعالم و الإنسان و تجعل العقل الذي نستعمله هو العقل الاستقصائي. و هو يقدم منهجية علمية نظرية تعتمد على التوافق بين النظرية و تطبيقات هذه النظرية، لذلك جاء علم العمران البشري من أول وهلة تطبيقيا .” و بهذا يعتبر التريكي إبن خلدون رائدا للفلسفة التطبيقية على مستوى العالم و ليس العالم العربي فحسب.
و إذا كان إبن خلدون لم يكفر الفلاسفة علنا أو صراحة مثلما فعل الفيلسوف المتصوف أبو حامد الغزالي و حاول من بعده الفيلسوف الكبير إبن رشد تصحيح بعض المفاهيم و الأفكار لدى الغزالي و دافع عنهم مما التصق بهم من تهم الإلحاد و الزندقة و إن كان هو نفسه قد عانى الويلات و أحرقت كتبه إلا أن أحد الفلاسفة اليهود قد عرف بفلسفته لدى الإوروبيين و الغربيين عامة حتى صار الشارح الأول لفلسفة أرسطو. و قد يفسر موقف إبن خلدون من الفلسفة هو ربما كونه و مثلما أكد على ذلك المفكر التونسي الراحل محمد الطالبي في مقالة له عن علامتنا الفذ أنه ” اهتدي إلى علم الاجتماع بتوفيق من الله سبحانه و تعالى من دون اطلاع على ما كتبه فلاسفة اليونان. “
و قد يفهم من كلام البروفيسور التريكي أن فلسفة التريكي هي ممارسة و براكسيس و فلسفة للقول الخارجي بحسب ما قرأت في كتابه المعنون ” أفلاطون و الديالكتيكية “.
إن المجتمع هو أفضل مختبر لأفكار إبن خلدون، حيث كانت بصيرته و ذهنه الوقاد و المنفتح لفهم المجتمع و الناس و تحليل سلوكهم و تصرفاتهم سبيله إلى صياغة قوانين اجتماعية بعد أن قام بفحصها جيدا و قلبها على أوجهها المختلفة و هي عصارة تأمل و تدبر و تمحيص و خبرة سنين كما قال أحد الأساتذة الباحثين الذين تمت محاورتهم في البرنامج.
يركز إبن خلدون على أفكار أساسية هي ال: العمران البشري، و الدولة، و التنمية البشرية و العصبية أي التضامن في قاموسنا المعاصر و هي تؤدي إلى تكوين الدول و زوالها.
و أجد أن العقل الكامل هو بمثابة مرادف للتفكير المنظومي لدى إدغار موران الذي يساعد في فهم الأشياء المركبة كالدولة و الإنسان و المجتمع و المنظمات كأنساق مفتوحة وفق نظرية السيبرنيطيقا.
كما أن العقل المحض هو من أهم ما يميز فلسفة كانط، حيث يتحدث عن معرفة قبلية و معرفة بعدية و قد يكون استنبطها من فكر إبن خلدون و منهجه العلمي.
بمناسبة حلول الذكرى المئوية السادسة لوفاته، نال الكاتب و المفكر التونسي المعروف أبو القاسم محمد كرو شرف الدعوة إليها منذ تكلم عنها في مقالته الخاصة بها في جريدة الصريح بتاريخ 28-29-30/01/2004.
و هي في اعتقاده مساهمة جديدة في وقتها عن إبن خلدون و عن تونس التي ولد فيها و يعتز بها و ينسب إليها برغم سنواته الطوال التي عاشها التي عاشها بين الجزائر و المغرب و الأندلس ( كزائر غير مقيم ). و رغم سنواته المماثلة و الأخيرة التي عاشها في مصر، حيث مات فيها و دفن في جناح المغاربة من مقبرة النصر التي أصبحت الآن خرابا رغم أنها أعظم مقبرة في القاهرة.
و في كتابه ” العرب و إبن خلدون ” في طبعته الخامسة سنة 2006، و الذي أهداه إلى المواطن العربي الأول و إلى المفكر العربي الذي أنصف إبن خلدون من أمته و من التاريخ، فأحله المكان اللائق من أمجادها و إلى من تعلق حبه بإبن خلدون عن فهم و تمحيص و وزن، فقد إليه إسمه و قلبه و عقله.. عرفانا منه و تقديرا و أخيرا أيضا إلى روح الأستاذ ساطع الحصري، يقول :” .. وإبن خلدون أكبر و أعظم فكر عبقري تونسي عربي قديما و حديثا بشهادة كبار الباحثين في الشرق و الغرب و مع ذلك، فإن بعض المعاصرين المشارقة و حتى في تونس تعمد الهجوم عليه و ثلبه و اتهامه باطلا بتهم لا تدينه بل تدينهم و تثبت عند العارفين عكس ما يدعون؟!.”
و إن ختياري لإبن خلدون هو ما أصاب أمتنا من وهن و خرف فكري و أمراض و علل و هذا القلق الشديد التي تستشعرها البشرية اليوم، جراء انتشار الفساد و الجور و الجور و الأزمات الاقتصادية ( غلاء الأسعار و الاحتكار ..) فقد تكون العودة بلا شك إلى ما كتبه و التأمل فيه مخرجا و ربما ترياقا لنا نحن التونسيين و العرب و المسلمين.
بحسب الباحث مصطفى غنيمات في دراسته المعنونة ” الفكر الاجتماعي عند إبن خلدون “، فإن إبن خلدون مر بتجربة سيئة انتهت بالفشل، إضافة إلى التراجع و التدهور الذي أصاب الحضارة العربية و الإسلامية، فأدرك بحدسه الذكي و تفتح عقله و فهمه العميق ” أن المشكلة تكمن في ذلك الصراع المرير من أجل الحكم، الشيء الذي دفعه إلى التفكير في الحياة الاجتماعية و تفسير مجريات التاريخ. و من هنا كان اهتمام عالمنا بالتاريخ. فكان ذلك منطلقا لعلم الاجتماع الخلدوني الذي تناولته مقدمة ” العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، و هي مقدمة في غاية التفرد و التميز عن باقي ما كتبه العلماء.
و يقول إبن خلدون عن نفسه في بداية المقدمة :” الفقير إلى الله تعالى الغني بلطفه : عبد الرحمان إبن محمد بن خلدون الحضرمي و هو من أسرة عريقة و رفيعة في السياسة و في الإدارة، ولد في أول رمضان سنة 1332 م، و قد توفي في القاهرة في يوم 25 رمضان 1406م. و قد عاش أربعا و سبعين سنة تقلب خلالها بين جميع المناصب الإدارية و السياسية و القضائية ثم كاتبا للعلامة لدى سلطان تونس الحفصي، ثم انتهى في منصب قاضي قضاة المالكية في مصر، و يقول عن تلك السنوات الأربع و السبعين :
” إن هذه السنوات الطويلة، كانت زاخرة بنشاط خارق للعادة، و حيوية محيرة للعقول:
” لقد كان نشاط إبن خلدون قد شمل عديد الجوانب : ميادين الإدارة و السياسة، و الخطابة و القضاء، و الدرس و البحث، و التدريس و التأليف.
” و كانت حيويه عنيفة صاخبة، لا تعرف معنى الهدوء و لا تبالي بالأخطار و الأهوال، لذلك صارت حياته سلسلة طويلة من حوادث النجاح و الفشل : إنه وصل إلى أعلى مناصب الحكم، في عهود ملوك عديدين، في دول عديدة و لكنه في الوقت نفسه تعرض إلى محن و نكبات متنوعة مرات عديدة.
” إنه تنعم بنعم القصور، و لكنه ذاق مرارة الاعتقال و السجن أيضا.
” دخل غمار الحياة العامة قبل أن يبلغ العشرين من عمره، و قام بمهمة سياسية خطيرة بعدما وصل إلى عتبة السبعين، و لم يتمتع إبن خلدون خلال عمره الطويل ب” حياة الهدوء بمعناها التام، إلا نحو أربعة أعوام، و ذلك بين أوائل سنة 1375م و أواخر 1378معندما اعتزل الحياة العامة، و انزوى في قلعة إبن سلامة في الجزائر، بعيدا عن شواغل المدن و بهارجها حيث تفرغ كلية للنشاط الفكري و الانتاج العلمي. ( نفس المصدر : العرب و إبن خلدون – أبو القاسم محمد كرو ).
و قد ربط إبن خلدون التاريخ بعلم الاجتماع و جعله نقطة البداية لفهم الظواهر الاجتماعية، حيث يرى أن الأمر يتطلب تدوين أحوال الخليفة و الآفاق و أجيالها، و العوائد و النحال التي تبدلت لأهلها.” فالعمران عند إبن خلدون يشمل جوانب الحياة الاجتماعية، و الاقتصادية، و السياسية،و الثقافية، و من هنا اهتم صاحب المقدمة بالتاريخ.
من أجل استنطاق حوادث الماضي، و استفتاء مجرياتها، و الاستعانة بذلك لفهم الحاضر، الذي شكلت تجربته الشخصية جزءا لا يتجزأ منه.
إن حقيقة التاريخ في نظر إبن خلدون ” أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، و ما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال التوحش، و التأنس، و العصبيات، و أصناف التغلبات للبشرية بعضها على بعض، و ما ينشأ عن ذلك من الملك و الدول و مراتبها، و ما ينتحل البشر بأعمالهم و مساعيهم من الكسب و المعاش و العلوم و الصنائع، و سائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال و يرى أنه من أسباب وقوع المؤرخين في الأخطاء ظاهرة التقليد؛ إنه ينقل اللاحقون عن السابق، و يقلده، غافلا عن الأسباب التي دعت إلى أن يذكر ما ذكره سابقه يقول إبن خلدون : ” إنما حملهم على ذلك التقليد و الغفلة عن مقاصد المؤلفين الأقدمين، و الذهول عن تحري الأغراض من التاريخ. “
أما عن المنهج الذي سلكه إبن خلدون في دراسة الظواهر الاجتماعية فهو علمي، و قد استند إلى مبدأي : السببية و الحتمية؛ لأنه نظر إلى الظواهر الاجتماعية نظرته إلى الظواهر الطبيعية، الذي جعله يرتفع إلى مصاف علماء الاجتماع في العصر الحديث.
لقد تطور علم الإجتماع منذ عهد إبن خلدون مرورا بعالم الاجتماع الفرنسي ايميل دوركايم و مدارس أخرى معروفة اليوم في العالم، طورت عديد النظريات مثلما يفيدنا بذلك الدكتور الأردني معن عمر خليل في كتابه ” نظريات معاصرة في علم الاجتماع ” : كالنظرية البنائية الوظيفية التي تبرز التوازن و الانسجام الاجتماعي كحاجة اجتماعية جوهرية، و نظرية السنق المفتوح ( تالكوت بارسونز، هارفن أولسن…) و نظرية التبادل الاجتماعي ( جورج هومنز، بيتر بلاو…) و نظرية الظاهراتية ( الفينومينولوجي ) ( الفريد شوتز ) و نظرية الحياة الاجتماعية اليومية ( أثنوميتودولوجي ) ( هارولدس كارفنكل، ايرفنك كومان).
و يؤكد أنه من أهم خصائص المدرسة الميكانيكية، أنها تعتبر :
1- الإنسان: و هو مجموعة فلكية قوامها الدفع و الجذب بين الرغبات و الميول.
2- المجتمع : و هو مجموعة فلكية قوامها الجذب و الدفع بين الأفراد.
3- الإنسانية: و هي مجموعة فلكية قوامها الجذب و الدفع بين المجتمعات.
إن علم الميكانيكا الفيزيائي يعتبر كل مجموعة مادية مجموعة متعادلة و بنفس الطريقة، و يعتبر الفيزيائيون الاجتماعيون ( ثمة من يطلق على علم الإجتماع بالفرنسية La Physique Sociale ) المجتمع أو الجماعة أو الحكومة هي مجموعة متعادلة من القوانين المركزية و العمركزية. و لقد كانت المجاميع في المؤسسات السياسية تعتبر ضربا من القوى المتوازنة المتعادلة، و كان التنظيم الاجتماعي و السياسي في المجتمع و ظواهر القوة و النفوذ و السلطان تفسر على أنها محصلات الضغط الاجتماعي الناتج عن الذرات الاجتماعية ( الأفراد ) و الجزيئات الاجتماعية ( الجماعات ) أو نظرية التوازن الاجتماعي و هي تشبه تماما ( الاستاتيكا ) في علم الميكانيكا كما أنهم وضعوا مبادئ و عناصر الديناميكا الاجتماعية. ففي الميكانيكا مثلا تعتبر الحركة أو التغير دالة للزمان و المكان. و من هنا كان الزمن يلعب دورا في الميكانيكا الاجتماعي إبان القرن السابع عشر، ذلك أن هؤلاء المفكرين لم يتصوروا فكرة المقام أو المنزلة في المكان الأخلاقي و حسب بل أنهم صوروا فكرة المنزلة أو المقام في الزمان الأخلاقي أيضا. و هكذا كانت الحوادث التاريخية و الاجتماعية تصور على أنها حركات و يعتبر الزمن ضربا من الأشياء المتحركة ميكانيكيا و كان الزمن يمثل بخط هندسي و كانت العمليات التاريخية توضح بمنحنيات مختلفة. و أما تاريخ حياة الإنسان ( أو الفرد )، فقد كان يمثل بمنحنى هو بذاته المنحنى الذي يمثل حركة الجسم الساقط و كانت الخطوط المستقيمة و القطوع المتكافئة و المنحنيات الحلزونية تستعمل لوصف هذه العمليات.
إن أملنا كبير في هذه الأجيال و في الأجيال القادمة ان تفخر و برموزها الفكرية و العلمية و الثقافية و تخلد ذكراها و دور الإعلام هو القيام بهذه المسئولية الجسيمة على الوجه الأكمل من خلال مزيد التعريف بها، فنحن لم نقطع رجاؤنا في مولانا العلي القدير في أن تشهد تونس و أمتنا العربية و الإسلامية ثورة فكرية و ثقافية و علمية يقودها جهبذ أو جهابذة آخرون تعيد لنا مجدها التقليد و تخرجنا من هذه التبعية و الذل.
المصادر و المراجع :
- محمد كرو : أبو القاسم ( كاتب و مفكر )
العرب و إبن خلدون – تونس 2006. - التريكي : فتحي ( أستاذ جامعي و فيلسوف )
الإذاعة الوطنية - عمر خليل : معن ( أستاذ باحث في علم الاجتماع و كاتب )
نظريات معاصرة معاصرة في علم الاجتماع- جامعة اليرموك، إربد- الأردن، 1997.
4.غنيمات : مصطفى ( أستاذ و دكتور )
الفكر الاجتماعي عند إبن خلدون – جامعة الإسراء- الأردن، 2007.





