حديثُ الجمعة : السُّنَّة في اللغة.

حديثُ الجمعة : السُّنَّة في اللغة.

14 أوت 2026، 11:00

أرسل الله سبحانه وتعالى محمدًا ﷺ نبيًّا ورسولًا للعالمين، وأوحى إليه القرآن الكريم، وهو كلام الله تعالى، وبيَّنه رسول الله ﷺ بأقواله وأفعاله وتقريراته لما كان يحدث حوله في عصره، وتكوَّن من مجموع ذلك ما عُرف بالسنة المشرفة.
فالسنة هي مجموعة أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته، ويعتقد المسلمون أن النبي ﷺ، باعتباره نبيًّا، معصوم من الخطأ، وأن كل ما صدر عنه من أقوال أو أفعال أو تقريرات حقٌّ يجب اتباعه.
ومن أجل ذلك اهتم الصحابة بنقل القرآن الكريم اهتمامًا بالغًا، باعتباره المصدر الأول للتشريع، كما اهتموا بنقل سنة النبي ﷺ، واهتمت الأمة من بعدهم بهذا النقل، حتى أنشأ علماؤها علومًا خاصة بتوثيق النص القرآني كتابةً وقراءةً، كعلم القراءات، ورسم المصحف، والتجويد؛ وأنشؤوا علومًا أخرى لتوثيق النص النبوي، كعلم الجرح والتعديل، وعلم الرجال؛ وأنشؤوا علومًا لفهم القرآن والسنة، كعلوم التفسير، والفقه، وأصوله؛ كما أنشؤوا علومًا خادمة، كالنحو، والصرف، والعَروض.
وكان للصحابة رضي الله عنهم عناية شديدة برواية الحديث ونقله. وكان نقل الحديث النبوي يعتمد، في أغلبه، على النقل الشفهي؛ ومن ثَمَّ وضع الصحابة بعض الضوابط لقبول الأخبار عن النبي ﷺ، وإن لم تُدوَّن هذه الضوابط في عصرهم.
ومن تلك الضوابط:
1- الاحتياط في قبول الأخبار
كان أول من احتاط في قبول الأخبار أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله ﷺ؛ فقد رُوي عن قبيصة بن ذؤيب أنه قال:
«جاءت الجدة إلى أبي بكر رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال لها أبو بكر: ما لكِ في كتاب الله شيء، وما علمتُ لكِ في سنة رسول الله ﷺ شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس. فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرتُ رسول الله ﷺ أعطاها السدس. فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة؛ فأنفذه لها أبو بكر الصديق رضي الله عنه»
(أخرجه الإمام أحمد في مسنده).
فكان رأي أبي بكر رضي الله عنه التثبت في الأخبار والتحري، لا سدَّ باب الرواية مطلقًا.
2- التوقف في خبر الواحد والتثبت من نقله
وبهذا الضابط تمسك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
«كنت جالسًا في مجلس الأنصار، فأتانا أبو موسى فزعًا، أو مذعورًا. قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليَّ أن آتيه، فأتيت بابه، فسلمت ثلاثًا، فلم يُردَّ عليَّ، فرجعت. فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم يردوا عليَّ، فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ: إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يُؤذن له، فليرجع. فقال عمر: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك. فقال أُبيُّ بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم. قال: فاذهب به»
(صحيح مسلم).
فرأى عمر رضي الله عنه أن يتأكد من خبر أبي موسى بشهادة صحابي آخر؛ وهذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد بروايته واحد. وفي ذلك حثٌّ على تكثير طرق الحديث، لكي يترقى من درجة الظن إلى درجة العلم؛ إذ يجوز على الواحد النسيان والوهم، وذلك أندر في حق الثقتين. …
أ.د. علي_جمعة

مواضيع ذات صلة