رجيم معتوق، حين تحوّلت رمال الصحراء التونسية إلى واحات خضراء…بقلم : محمد جمال الشرفي.

رجيم معتوق، حين تحوّلت رمال الصحراء التونسية إلى واحات خضراء…بقلم : محمد جمال الشرفي.

30 أكتوبر 2026، 21:45

مقال تحليلي توثيقي عن اكتشاف المياه العميقة، ودور الجيش الوطني في التنمية، والتحوّل من العزلة الحدودية إلى الإنتاج الفلاحي

في عمق الصحراء التونسية، حيث تمتد الرمال إلى الأفق، وتشتدّ الحرارة، وتبدو الأرض في كثير من المواضع عاجزة عن احتضان الحياة، تروي منطقة رجيم معتوق من ولاية قبلي قصة استثنائية عن قدرة الإنسان على تحويل الطبيعة حين تتوفر الإرادة والتخطيط والعمل. فمنطقة ارتبطت في الماضي بالعزلة وصعوبة العيش والتنقل، أصبحت مع مرور العقود مجالاً لقيام واحات جديدة، وإنتاج التمور، وتجارب زراعية متنوعة، واستقرار السكان في محيط كان يبدو بعيداً عن مظاهر التنمية.

لم يكن هذا التحوّل وليد الصدفة، بل انطلق من اكتشاف جيولوجي مهم، تمثّل في العثور على مياه جوفية عميقة في باطن الأرض، ثم تطوّر إلى مشروع وطني جمع بين استغلال الموارد المائية، وتهيئة الأراضي، وإقامة البنية الأساسية، وتوطين السكان، وإدخال النشاط الفلاحي إلى قلب الصحراء. وقد اضطلع الجيش الوطني التونسي، من خلال المؤسسة المكلفة بتنمية رجيم معتوق، بدور أساسي في تنفيذ هذا المشروع ومتابعة مراحله.

من اكتشاف المياه سنة 1972 إلى ولادة مشروع تنموي

تعود نقطة التحوّل الأولى إلى سنة 1972، حين كشفت أعمال استكشاف باطن الأرض في منطقة رجيم معتوق عن وجود مخزون مهم من المياه الجوفية على عمق يقارب 350 متراً. ووفق المعطيات التاريخية المنشورة لدى ديوان رجيم معتوق لتنمية الجنوب والصحراء، مثّل هذا الاكتشاف بداية التفكير الجدي في تحويل المنطقة من مجال صحراوي محدود الإمكانات إلى فضاء قابل للتهيئة والاستغلال الفلاحي.

كانت أهمية الاكتشاف تتجاوز العثور على الماء في منطقة جافة؛ فالمياه هي العنصر الذي يمكن أن يغيّر وظيفة الأرض نفسها. فالرمال التي لا تسمح زراعتها البعلية بإنتاج منتظم يمكن أن تتحول، عند توفير الريّ وتهيئة التربة وحمايتها من زحف الرمال، إلى مجال لإقامة الواحات وغراسة النخيل والأشجار المثمرة. لكن وجود المياه وحده لم يكن كافياً لتحقيق هذا الهدف، إذ كانت المنطقة تفتقر إلى الطرقات والتجهيزات وشروط الاستقرار الاجتماعي، فضلاً عن صعوبة العمل في بيئة صحراوية قاسية.

وتشير المصادر الرسمية إلى أن الطبقة المائية المكتشفة تمتد ضمن نظام جوفي واسع مشترك بين تونس وليبيا والجزائر. لذلك فإن أهميتها لا تتصل برجيم معتوق وحدها، بل تندرج أيضاً ضمن قضية أوسع تتعلق بإدارة المياه الجوفية في المناطق الصحراوية، وبضرورة المحافظة على مورد محدود التجدد.

لم يبدأ المشروع، إذن، بزراعة النخيل مباشرة، بل بدأ بفكرة أكثر عمقاً: كيف يمكن تحويل اكتشاف طبيعي إلى قاعدة لتنمية منطقة كاملة؟

الجيش الوطني: من تهيئة الأرض إلى بناء الواحات

في السنوات الأولى التي أعقبت اكتشاف المياه، بدأت ملامح المشروع تتجسّد على أرض الواقع. ففي سنة 1984، حُفرت ثلاثة آبار في منطقتي رجيم معتوق والمطروحة، وأُحدثت حولها نحو 300 هكتار من واحات النخيل، في خطوة أولى لإثبات إمكانية إقامة نشاط فلاحي مستقر في هذه المنطقة الحدودية. ثم شهد النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي توسّعاً في أعمال التهيئة، وحفر الآبار، وإعداد الأراضي للزراعة، وبناء الطرقات وشبكات الريّ والصرف.

هنا برز دور الجيش الوطني التونسي، ليس فقط بوصفه مؤسسة تضطلع بمهام الدفاع عن البلاد، بل أيضاً من خلال مساهمته في إنجاز مشروع تنموي يتطلب تنظيماً وقدرة على العمل في ظروف ميدانية صعبة. فقد أُحدث ديوان تنمية رجيم معتوق بموجب الإطار القانوني المرتبط بقانون المالية لسنة 1989، تحت إشراف وزارة الدفاع الوطني، ليتولى دفع المشروع ومواصلة إنجاز مكوّناته الفلاحية والعمرانية والاجتماعية.

كان العمل في الصحراء يقتضي أكثر من حفر الآبار وغراسة الأشجار. كان لا بد من تثبيت الرمال، وتسوية الأراضي، وإنشاء شبكات الريّ وتصريف المياه الزائدة، وإقامة المسالك والطرقات، ثم بناء المساكن وتوفير المرافق الضرورية لاستقرار السكان. وقد شكّلت هذه الأعمال حلقات مترابطة في مشروع واحد، لأن الأرض لا تصبح منتجة بمجرد توفر الماء، بل تحتاج إلى بنية متكاملة تضمن استمرار الإنتاج وقدرة الفلاح على العيش والعمل.

ومع تقدّم المشروع، توسّعت الواحات على مراحل. ففي القسط الأول، الممتد بين 1990 و2001، أُحدثت نحو 1152 هكتاراً من واحات النخيل، بالتوازي مع بناء قرى سكنية ومرافق اجتماعية. وفي القسط الثاني، بين 2002 و2015، أُضيفت نحو 1008 هكتارات أخرى، لتصل المساحة المبرمجة ضمن هذين القسطين إلى 2160 هكتاراً من الواحات، وفق بيانات الديوان الرسمية.

وهكذا تحوّل المشروع من مبادرة لاستغلال المياه إلى تجربة أوسع لإعادة تشكيل المجال الصحراوي، وربط التنمية الفلاحية بالاستقرار السكاني والخدمات الأساسية.

## من التمور إلى الغلال والخضر: الصحراء تدخل دورة الإنتاج

إذا كان اكتشاف المياه هو نقطة البداية، فإن النخيل كان عنوان التحوّل الأبرز في رجيم معتوق. فقد أصبحت دقلة النور، بما تتمتع به من قيمة تجارية ومكانة في الأسواق التونسية والخارجية، المحصول الرئيسي للواحات الجديدة. ولم تعد النخلة مجرد شجرة تتحدى قسوة الصحراء، بل أصبحت مورداً اقتصادياً يوفر الدخل، ويخلق فرص العمل، ويربط المنطقة بدورة الإنتاج والتسويق والنقل.

وتكشف الأرقام الرسمية عن حجم هذا التحوّل. فقد أعلن ديوان رجيم معتوق لتنمية الجنوب والصحراء أن إنتاج التمور بالمنطقة بلغ 18 ألفاً و500 طن خلال سنة 2024، بقيمة تسويقية قُدّرت بنحو 65 مليون دينار تونسي. وهي أرقام تعكس انتقال المنطقة إلى مستوى إنتاجي مهم، بعد عقود من التهيئة والاستثمار والعمل الفلاحي.

لكن أهمية التجربة لا تتوقف عند التمور وحدها. فقد اتجهت الجهود أيضاً إلى تنويع الإنتاج من خلال غراسة الأشجار المثمرة، ومنها الرمان والتين والفستق والخوخ والحمضيات واللوز والعنب، فضلاً عن تجارب زراعة المانغو وإدماج بعض النباتات الطبية والعطرية. كما تشمل المشاريع الفلاحية المساحات المخصصة للخضر، وهو ما تؤكده الزيارات الميدانية الرسمية التي اطّلع خلالها مسؤولو وزارة الدفاع على المقاسم المزروعة بالنخيل والخضراوات والأشجار المثمرة في رجيم معتوق والمناطق المجاورة.

ويكتسب هذا التنويع أهمية خاصة في منطقة صحراوية تعتمد الزراعة فيها على الريّ. فالاقتصار على محصول واحد يجعل مداخيل الفلاح مرتبطة بتقلبات إنتاجه وأسعاره، في حين يتيح تنويع الغلال والخضر فرصاً إضافية للتسويق وتوزيع المخاطر على أكثر من محصول. كما يمكن أن يساهم في توفير منتجات محلية على امتداد فترات مختلفة من السنة، بدلاً من تركّز النشاط الاقتصادي في موسم واحد.

ومن هنا تبرز صورة رجيم معتوق الجديدة: واحات نخيل تتخللها تجارب زراعية أخرى، ومقاسم فلاحية يجري استغلالها، ومنتجات تحتاج إلى خدمات الجمع والفرز والتبريد والنقل والتسويق. فالقيمة الحقيقية للتنمية لا تقاس بما تنتجه الأرض وحدها، بل أيضاً بما تستطيع المنطقة الاحتفاظ به من قيمة اقتصادية وما تخلقه من فرص عمل لأبنائها.

من منطقة حدودية إلى قطب فلاحي: تحوّل في وظيفة المكان

لفهم أهمية رجيم معتوق، ينبغي النظر إلى موقعها وطبيعة الحياة فيها قبل المشروع. فقد كانت المنطقة بعيدة عن المراكز العمرانية، محدودة التجهيزات، ويعتمد بعض سكانها على الترحال وتربية الأغنام والإبل. وفي مثل هذه الظروف، كانت فرص العمل والاستقرار محدودة، وكانت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموقع الحدودي جزءاً من واقع المنطقة، بما في ذلك أنشطة التهريب والتجارة غير النظامية التي ارتبطت ببعض المناطق الحدودية في الجنوب التونسي.

غير أن اختزال تاريخ رجيم معتوق في التهريب والكونترا لا ينصف سكانها، ولا يفسّر طبيعة التحوّل الذي شهدته. فالمسألة الأساسية هي أن المنطقة كانت تعاني من محدودية البدائل الاقتصادية، وأن بناء نشاط فلاحي منتج ومستقر أتاح مساراً آخر لكسب الرزق، قائماً على استغلال الأرض والعمل والإنتاج والتسويق.

لقد غيّر المشروع وظيفة المكان تدريجياً. فالأرض التي كانت تُرى باعتبارها امتداداً صحراوياً بعيداً أصبحت مجالاً للاستثمار الفلاحي، والآبار تحولت إلى مصدر للحياة والإنتاج، والواحات أصبحت نواة للتجمعات السكنية والخدمات. ولم يعد الاستقرار مرتبطاً فقط بالتأقلم مع ظروف الصحراء، بل بإمكان بناء مورد رزق من الزراعة.

وتوضح النتائج التي نشرها ديوان التنمية أن المشروع ساهم في تثبيت نحو 8000 ساكن وتحسين ظروف عيشهم، مع توفير خدمات التعليم والصحة، وإقامة البنية الأساسية اللازمة للحياة اليومية. وهذه الأبعاد الاجتماعية لا تقل أهمية عن حجم الإنتاج، لأنها تعني أن التنمية لم تستهدف الأرض وحدها، بل سعت أيضاً إلى بناء مجتمع قادر على الاستقرار ومواصلة النشاط الاقتصادي.

إن التحول الحقيقي لا يتمثل، إذاً، في ظهور النخيل وسط الرمال فحسب، بل في تغيير الخيارات المتاحة أمام السكان. فحين تتوفر الأرض المهيأة والماء والمسكن والخدمات والدعم الفني، يصبح العمل الفلاحي بديلاً اقتصادياً أكثر استقراراً، وتتحول المنطقة الحدودية من مجال محدود الفرص إلى منطقة لها وظيفة إنتاجية داخل الاقتصاد الوطني.

نجاح التجربة لا يعفيها من تحديات المستقبل

على الرغم من النتائج المحققة، فإن تجربة رجيم معتوق تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن المحافظة على هذا الإنتاج وضمان استمراره في منطقة تعتمد على المياه الجوفية العميقة؟

فالمياه التي سمحت بإقامة الواحات ليست مورداً لا ينضب بالضرورة. وتشير الدراسات المتعلقة بالمياه والزراعة في الصحراء التونسية إلى أن الاستغلال المكثف للموارد الجوفية ذات التجدد المحدود، إلى جانب ضعف كفاءة بعض أنظمة الريّ، يمكن أن يفرض ضغوطاً متزايدة على المخزون المائي. ولذلك فإن نجاح المشروع في الماضي يجب أن يترافق مع إدارة أكثر كفاءة للمياه في المستقبل.

ويتطلب ذلك تحسين طرق الريّ، والحد من ضياع المياه، ومراقبة نوعيتها وملوحتها، وتطوير شبكات الصرف، واختيار المحاصيل وفق حاجاتها المائية ومدى ملاءمتها للظروف المناخية. كما يستدعي التفكير في مستقبل الواحات باعتبارها منظومة اقتصادية متكاملة، لا مجرد مساحات مزروعة بالنخيل.

ومن الضروري أيضاً أن تمتد التنمية إلى ما بعد الإنتاج الأولي. فوجود آلاف الأطنان من التمور والغلال والخضر يفتح المجال أمام إنشاء وحدات للتحويل والتوضيب والتبريد والتخزين، وتطوير النقل والتسويق، وتشجيع المبادرات الخاصة والتعاونيات الفلاحية. فكلما زادت قدرة المنطقة على تحويل منتجاتها وتسويقها بكفاءة، ارتفعت القيمة المضافة التي يمكن أن تبقى داخلها، وازدادت فرص العمل خارج النشاط الزراعي المباشر.

كما أن تنويع الاقتصاد المحلي من خلال تربية الماشية والأنشطة الخدمية والصناعات الغذائية والسياحة الواحية، حيثما تسمح الظروف، يمكن أن يخفف الضغط على الموارد المائية ويجعل المنطقة أقل اعتماداً على محصول واحد أو نشاط واحد.

وهنا تتضح مسؤولية المرحلة المقبلة: المحافظة على ما أُنجز، وتطوير الإنتاج، وتحسين مردوديته، مع ضمان ألا تتحول وفرة الإنتاج الحالية إلى ضغط يصعب تداركه على المورد الذي قامت عليه التجربة كلها.

رجيم معتوق: قصة إرادة وطنية واختبار للتنمية المستدامة

إن قصة رجيم معتوق تختصر جانباً مهماً من تاريخ التنمية في الجنوب التونسي. فقد بدأ التحول باكتشاف المياه سنة 1972، ثم انتقل إلى حفر الآبار وإحداث الواحات في الثمانينات، وتواصل عبر مشروع مؤسساتي أشرف عليه ديوان تابع لوزارة الدفاع الوطني، لتصبح المنطقة اليوم منتجة للتمور والغلال والخضر، وفضاءً لاستقرار السكان وتطوير النشاط الاقتصادي.

وقد أثبتت هذه التجربة أن المناطق الصحراوية ليست محكومة بالعزلة أو بضعف الإنتاج إلى الأبد، وأن الاستثمار في الماء والبنية الأساسية والإنسان يمكن أن يغيّر مسار منطقة كاملة. كما أظهرت أن دور المؤسسات الوطنية لا يقتصر على إطلاق المشاريع، بل يشمل تهيئة الظروف التي تسمح للمواطنين بتحويلها إلى نشاط اقتصادي مستمر.

ومع ذلك، فإن الإنجاز الأكبر لن يكون مجرد الوصول إلى أرقام إنتاج مرتفعة، بل القدرة على المحافظة عليها، وحماية الموارد المائية، وتوسيع فرص العمل، وتحويل المنتوج الفلاحي إلى قيمة اقتصادية واجتماعية أكبر.

رجيم معتوق ليست مجرد واحة نمت وسط الرمال؛ إنها مثال على انتقال الأرض من العزلة إلى الإنتاج، ومن محدودية الخيارات إلى إمكانات جديدة للحياة. وما بدأ باكتشاف ماء في أعماق الصحراء أصبح مشروعاً لإعادة بناء المكان والإنسان معاً. أما مستقبل هذه التجربة، فسيظل مرتبطاً بقدرة تونس على الجمع بين الإرادة الوطنية وحسن إدارة الموارد، حتى تبقى الواحات منتجة، والأرض عامرة، والتنمية مستمرة للأجيال القادمة.

مواضيع ذات صلة