حين يمارس السياسيُّ الفسادَ باسم الوطن، ويمارسُه رجلُ الدين باسم السماء…بقلم : محمد جمال الشرفي.
ليست كل سلطة تدّعي الإصلاح عادلةً بالضرورة، كما أنَّ مَن يتحدث باسم الدين لا يمثل بالضرورة قيمَه الأخلاقية. وعلاوة على ذلك، لا يتخذ الفسادُ دائماً شكلَ المال أو الرشوة؛ بل قد يرتدي أحياناً رداءَ التقوى، أو يظهر في هيئة المسؤول العام، أو يتخفى خلف قناع “المصلحة العامة”.
ويكمن الفرق الجوهري بين الفساد السياسي والفساد الديني في أن الأول يستغل حاجة الأفراد إلى الأمن وظروف العيش الكريم، بينما يستغل الثاني سعيَهم نحو الإيمان والسكينة وإيجاد معنى لحياتهم. وحين يلتقي هذان النمطان، يجد المواطنُ نفسَه محاصراً: فمن جهة، سلطةٌ تطالب بالطاعة باسم الاستقرار، ومن جهة أخرى، خطابٌ ديني يدعو إلى الصبر باعتباره “ابتلاءً إلهياً”. وهكذا، يكفُّ الظلمُ عن كونه مشكلةً تستدعي الإصلاح، ليتحول إلى واقعٍ مفروضٍ على الناس التعايشُ معه.
ولفهم هذه الظاهرة، يجدر بنا العودة إلى تأملات مفكرين أمثال نيكولو ميكيافيلي، وابن خلدون، والإمام الغزالي -وغيرهم- ممن بحثوا في طبيعة العلاقات بين السلطة والأخلاق، والدين والمجتمع، والعدالة ومصير الأمم.
ميكيافيلي: حين تصبح الأخلاق أداةً في خدمة السلطة
في كتابه “الأمير”، لا يكتفي ميكيافيلي بالنظر في الاستقامة الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها الحاكم؛ بل ينصبُّ اهتمامُه بالأساس على كيفية الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، في عالمٍ تحكمه المصالحُ والصراعات. في الفصل الثامن عشر، يبحث ماكيافيلي في الفرق الدقيق بين امتلاك الفضائل فعلياً وبين الاكتفاء بإظهار مظهرها. ويشير إلى أن الحاكم يمكنه جني مكاسب سياسية من خلال التظاهر بالتقوى أو الولاء أو الشفقة، حتى وإن كانت أفعاله لا تمت بصلة لهذه الصفات. وهنا تكمن واحدة من أخطر المفارقات: إذ يمكن للدين أن يتحول إلى لغة سياسية تضفي على الحاكم صبغة أخلاقية، في حين أن ممارساته الفعلية تكون بعيدة كل البعد عن قيم العدالة التي يفترض أن تعكسها تلك الصورة. ويمكن رصد المفارقة ذاتها لدى بعض رجال الدين الذين يوظفون سلطتهم الروحية لحماية أصحاب النفوذ أو تبرير امتيازاتهم.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال فكر ماكيافيلي في كونه دفاعاً عن الفساد؛ فقد تناول أيضاً قضايا الحرية، والنظام الجمهوري، وتوازن القوى. والأهم من ذلك، في سياق حديثنا، أنه يؤكد على أن السياسة لا يمكن فهمها من خلال الشعارات وحدها، بل ينبغي النظر في الأفعال والنتائج والمؤسسات التي تضبط ممارسة السلطة.
ابن خلدون: الظلم ينشأ في كنف السلطة ويؤدي إلى انهيار العمران
أما عبد الرحمن بن خلدون، فيقدم رؤية سوسيولوجية وتاريخية أكثر عمقاً. ففي “مقدمته”، يربط بين الظلم وفساد العمران؛ إذ يوضح كيف أن تعدي أصحاب السلطة على ممتلكات المواطنين ومصالحهم يؤدي إلى إضعاف النشاط الاقتصادي وتقويض دعائم استقرار الدولة. ومن هذا المنظور، لا يُعد الظلم مجرد خطأ أخلاقي يرتكبه فرد ما، بل قوة تدميرية تطال المجتمع بأسره. إذا ما طبقنا هذا التحليل على الفساد السياسي والديني، نجد أن المسؤول الذي يطوّع منصبه لخدمة مصالحه الشخصية، ورجل الدين الذي يستغل ثقة الجمهور لحماية ذلك المسؤول، يشتركان في تحقيق نتيجة واحدة: تآكل الثقة الجماعية وتدهور العلاقات بين المجتمع والسلطة.
يمتلك المسؤول السياسي أدوات اتخاذ القرار والموارد المالية والإطار القانوني، بينما يحوز رجل الدين سلطةً رمزيةً تؤثر في الضمائر والعقليات. وحين تُستخدم هذه السلطات لحماية مصالح خاصة بدلاً من حماية المواطنين، يجد الفساد بيئةً خصبةً تضمن استمراره؛ فهو لا يكتفي بالاستيلاء على الموارد، بل يسعى أيضاً إلى التأثير في نظرة المجتمع للظلم وفي كيفية استجابته له.
وهنا تبرز أهمية أطروحة ابن خلدون؛ إذ لا تنهار الدول بالضرورة تحت ضربات عدوٍ خارجي، بل قد تضعف من الداخل حين تستأثر السلطة بالمصلحة العامة لنفسها، بدلاً من السهر على تحقيقها للمجتمع.
الإمام الغزالي: أخلاقيات العالم على أعتاب السلطة
يطرح أبو حامد الغزالي منظوراً مختلفاً، يقوم على مسؤولية الفرد أمام ضميره…. وفي المقابل، قد تستعمل السلطة خطابًا دينيًا لإضفاء الشرعية على نفسها، أو تستفيد من نفوذ بعض المؤسسات الدينية لتقليل المساءلة.
غير أن هذه العلاقة ليست قاعدة عامة؛ فقد وقف علماء ومفكرون ورجال دين في وجه الاستبداد والفساد، كما شهد التاريخ سياسيين سعوا إلى الإصلاح والعدل. لذلك لا ينبغي الحكم على الأشخاص من صفاتهم أو ألقابهم، بل من سلوكهم، ومواقفهم من حقوق الناس، ومدى استعدادهم للخضوع للمحاسبة.
الخلاصة: ليست المشكلة في الشعارات، بل في غياب المحاسبة
تكشف المقارنة بين مكيافيلي وابن خلدون والغزالي عن ثلاث زوايا متكاملة: مكيافيلي يساعدنا على فهم الفجوة بين الصورة الأخلاقية وحسابات السلطة، وابن خلدون يوضح كيف يؤدي الظلم إلى إضعاف المجتمع والدولة، والغزالي يثير سؤال استقلال العالم وضميره عندما يقترب من مراكز النفوذ.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل السياسي فاسد أم رجل الدين؟ بل: من يحاسب كليهما عندما ينحرفان عن مسؤولياتهما؟
فالحاكم الذي يتحدث عن الوطن دون أن يصون حقوق مواطنيه، ورجل الدين الذي يتحدث عن الأخلاق دون أن يلتزم بها، يواجهان المشكلة ذاتها: التناقض بين القول والفعل. وحين يغيب النقد المستقل، وتضعف المؤسسات، ويُعامل أصحاب النفوذ باعتبارهم فوق المساءلة، يصبح الفساد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه تحت أسماء مختلفة.
أخطر أنواع الفساد ليس ما يسرق المال وحده، بل ما يسلب الإنسان قدرته على التمييز بين الحق ومن يدّعي تمثيله. فالسياسي لا يصبح عادلًا لمجرد أنه يرفع شعار الوطن، ورجل الدين لا يصبح نزيهًا لمجرد أنه يتحدث باسم السماء. المعيار الحقيقي هو العدل، وحفظ الحقوق، ورفض استغلال ثقة الناس، وقبول المحاسبة مهما علت المكانة أو تعاظم النفوذ.




