صفاقس من 2011 إلى 2026 : مشاريع كبرى بين الوعود التنموية وتعطّل التنفيذ….بقلم : محمد جمال الشرفي.
لم تعد المشكلة في صفاقس نقص المشاريع المعلنة، بل في الفجوة بين الدراسات والوعود من جهة، والتمويل والتنفيذ والحاجيات
الحقيقية للمدينة من جهة أخرى. فمشاريع النقل الحضري، وتهيئة تبرورة، والملعب الرياضي الكبير، والتصرف في النفايات،
وحماية المدينة العتيقة، وغيرها من الملفات، تطرح سؤالاً أساسيا:ً هل ما زالت التصورات التي وُضعت قبل سنوات طويلة صالحة
لصفاقس اليوم؟
من الضروري التمييز بين المشروع الوهمي، أي المشروع الذي يُستعمل في الخطاب دون مسار جدي للتنفيذ، والمشروع المتعطّل
الذي توجد له دراسات أو إجراءات لكنه لم يتقدم بسبب التمويل أو العقار أو الخلافات أو تغير الأولويات. فالتأخر وحده لا يثبت أن
المشروع وهمي، لكنه يصبح مؤشراً خطيراً عندما تتكرر الوعود دون آجال واضحة أو اعتمادات مضمونة أو نتائج قابلة للقياس .
من 2011 إلى 2026 ، تحوّلت بعض المشاريع الكبرى في صفاقس إلى ملفات طويلة الأمد، تتجدد بشأنها التصريحات والدراسات
بينما ينتظر المواطنون نتائج ملموسة. والمشكلة ليست بالضرورة في غياب الأفكار، بل في ضعف الربط بين التخطيط والتمويل
والتنفيذ، وفي احتمال استمرار العمل بتصورات لم تعد تستجيب للتحولات العمرانية والاقتصادية والديمغرافية التي عرفتها المدينة .
يبرز مشروع المترو الخفيف مثالاً واضحا على هذه الفجوة. فقد أُحدثت شركة المترو الخفيف بصفاقس سنة 2015 ، وظل المشروع
مبرمجا دون أن يدخل مرحلة التشغيل. وتؤكد المعطيات المنشورة خلال سنة 2026 أن استكمال الإجراءات العقارية والترتيبية ما
زال ضروريا للانتقال إلى الإنجاز الفعلي. لذلك لا يكفي الحديث عن أهمية المترو، بل يجب نشر الكلفة المحيّنة، ومصادر التمويل،
والمسار النهائي، والجدول الزمني، مع مراجعة علاقته بالمناطق التجارية والأحياء السكنية والجامعية ومحطات النقل الأخرى.
فالدراسة القديمة لا ينبغي أن تتحول إلى قيد يمنع تطوير الحلول، كما أن إعادة الدراسة لا ينبغي أن تصبح ذريعة لتأجيل المشروع
إلى أجل غير معلوم .
أما مشروع تبرورة، الذي يُفترض أن يساهم في إعادة تهيئة الساحل الشمالي وفتح آفاق عمرانية واقتصادية جديدة، فقد تعطل لسنوات
رغم أهمية موقعه. وفي مارس 2026 ، أعلنت وزارة التجهيز أن الدراسات الخاصة بالمشروع انطلقت فعليا في جويلية 2025 ، فيما
أشارت رئاسة الحكومة إلى ضرورة تحيين دراسات الجدوى. وهذا يعني أن وصف المشروع بأنه وهمي بصورة مطلقة لا يعكس
كامل المعطيات؛ فالمشكلة الأساسية هي طول الانتظار، ومدى قدرة التصور الجديد على استقطاب التمويل والاستثمار وتحويل
الأرض إلى فضاء يخدم السكان. المطلوب اليوم ليس تكرار الوعود، بل إعلان برنامج تنفيذي واضح، يحدد مراحل التهيئة ومصادر
التمويل والآجال والالتزامات البيئية، مع ضمان ألا يتحول المشروع إلى امتداد عمراني لا يستفيد منه المواطن العادي .
وفي المجال الرياضي، يكشف مشروع المدينة الرياضية الكبرى عن مشكلة تمويلية وتخطيطية حقيقية. فقد أقرت رئاسة الحكومة في
ماي 2026 بأن ارتفاع الكلفة وصعوبات التمويل من أسباب تعطل انطلاق المشروع، مع التوجه نحو مراجعة مكوناته واعتماد التنفيذ
التدريجي. وهنا يبرز السؤال: هل من الأفضل الإصرار على مشروع ضخم يصعب تمويله، أم البدء بمرافق رياضية ذات أولوية
واضحة، قابلة للإنجاز والاستغلال، ثم التوسع تدريجيا؟ً كما يستوجب موقع الملعب المفترض، الذي يُشار إلى بعده عن وسط المدينة
بنحو 11 كيلومتراً، دراسة دقيقة لشبكات النقل والطرقات والسلامة وإمكانية الوصول إليه أثناء المباريات. ولا يجوز حسم صلاحية
الموقع أو رفضه لمجرد قربه من منشآت حساسة؛ بل ينبغي الاستناد إلى دراسة مرورية وأمنية وعمرانية حديثة .
التحتية إلى حاجز جديد يفصل السكان عن البحر أو يعرقل إعادة تأهيل الساحل. لذلك لا يصح اعتبار المشروع ضاراً بصورة نهائية
دون دراسة بدائله وآثاره، لكن من حق السكان المطالبة بتقييم واضح يوازن بين انسيابية المرور، وجودة المجال الحضري، وإمكانيةرئاسة الحكومة التونسية، تصريحات حول تعطل مشروع المدينة الرياضية بصفاقس، 12 ماي 2026.
وكالة تونس إفريقيا للأنباء، مستجدات مشروع تبرورة، 29 أوت 2025 ، وتصريحات وزير التجهيز والإسكان، 30 مارس 2026.
إذاعة ديوان أف أم، تصريحات وزيرة الشؤون الثقافية حول المكتبة الرقمية بصفاقس، 3 أفريل 2026.
بوابة تاريخ صفاقس، معطيات حول تعطل أشغال مشروع المكتبة الرقمية، 25 جوان 2020.
وتطرح المكتبة الرقمية المزمع إحداثها في مبنى الكنيسة الكاثوليكية السابقة إشكالاً آخر يتعلق ببطء التنفيذ وتطور الحاجيات الثقافية.
فقد تعطل المشروع رغم تخصيص استثمارات مالية له، ثم أعلنت وزارة الشؤون الثقافية في أفريل 2026 إجراءات جديدة لمعالجة
الملف، من بينها إحداث لجنة قيادة ومراجعة العقود. لكن القول إن المكتبة لم تعد مجدية بسبب الإنترنت والذكاء الاصطناعي ليس
استنتاجا كافيا؛ً فالمكتبة الرقمية الحديثة يمكن أن توفر أرشيفا محليا،ً ووثائق تاريخية، وخدمات بحث وتكوين، وفضاءً لحفظ ذاكرة
صفاقس. المطلوب هو مراجعة نموذج تشغيلها ومحتواها وكلفتها، وربطها بالجامعات والمدارس والباحثين، بدلاً من التخلي عنها
لمجرد تغير التكنولوجيا .
أما ملف النفايات، فهو من أكثر الملفات التي تتطلب الحذر في اختيار المواقع والتقنيات. فلا يمكن معالجة أزمة بيئية مزمنة بإنشاء
وحدات معالجة دون تقييم مستقل لتأثيراتها على السكان والمياه والهواء وحركة الشاحنات. وإذا كان الموقع المقترح في طريق تنيور
أو غيرها قريبا من أحياء سكنية مكتظة، فيجب نشر دراسة التأثيرات البيئية والصحية، ومقارنة البدائل، وتحديد مسافات الأمان
وآليات مراقبة الانبعاثات والروائح. كما ينبغي أن تُبنى القرارات على معطيات فنية ومشاركة المواطنين، لا على ضغط سياسي أو
حلول ظرفية. وفي المقابل، لا يكفي رفض كل منشأة لمعالجة النفايات؛ إذ تحتاج صفاقس إلى منظومة متكاملة للفرز والتثمين
والمعالجة والتصرف الآمن في الفضلات المتبقية .
ويثير مشروع المدخل الشمالي الجنوبي للمدينة نقاشا أوسع بشأن العلاقة بين المرور والواجهة البحرية. فمن جهة، تحتاج صفاقس
إلى حلول للاختناق المروري وتحسين الربط بين أحيائها.




