التعليم في تونس 2026……بقلم : محمد جمال الشرفي.
….التعليم في تونس لم يعد يواجه مجرد أزمة تمويل أو نقص في التجهيزات، بل يواجه سؤالاً أعمق يتعلق بوظيفة المدرسة والجامعة نفسها، وبقدرة المنظومة التعليمية على مواكبة مجتمع تغيّر بسرعة أكبر من سرعة المناهج والقوانين والعقليات التي تديرها. وفي سنة 2026، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: كم تنفق الدولة على التعليم؟ بل: ماذا يتعلم التلميذ؟ وكيف يتعلم؟ ولماذا يتعلم؟ وماذا سيحدث له بعد أن يحصل على الشهادة؟
المشكلة أن المنظومة التونسية مازالت في جزء مهم منها مبنية على تصور قديم للتعليم يقوم على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، ثم الحصول على شهادة، ثم البحث عن وظيفة. لكن سوق العمل لم يعد يعمل بهذه الطريقة. الاقتصاد التونسي أصبح أكثر ارتباطاً بالخدمات والتكنولوجيا والصناعة المتخصصة والعمل الحر والاقتصاد الرقمي، في حين أن المدرسة والجامعة مازالتا في حالات كثيرة تقيس النجاح بقدرة الطالب على استيعاب برنامج واجتياز امتحان أكثر مما تقيس قدرته على حل مشكلة أو استعمال المعرفة أو العمل ضمن فريق أو إنتاج قيمة اقتصادية واجتماعية.
الأرقام الحالية تجعل هذه الفجوة أكثر وضوحاً. فقد بلغ معدل البطالة في تونس 14.9% خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026، بينما بلغ معدل البطالة لدى حاملي شهادات التعليم العالي 26.6%. والأكثر دلالة أن بطالة حاملي الشهادات العليا بلغت 35.6% لدى النساء مقابل 14.2% لدى الرجال.
هذه الأرقام لا تعني أن الجامعة وحدها هي المسؤولة عن البطالة، فالسوق الاقتصادية نفسها محدودة، والاستثمار ضعيف في قطاعات كثيرة، وقدرة المؤسسات على خلق وظائف ذات قيمة مضافة ليست كافية. لكن الرقم يكشف بوضوح وجود مشكلة في العلاقة بين التعليم والاقتصاد. عندما يحصل آلاف الشباب على شهادات لا تتحول بسهولة إلى فرص عمل، يصبح من الضروري مراجعة السؤال من جذوره: هل ننتج الاختصاصات التي يحتاجها الاقتصاد؟ وهل ننتجها بالجودة التي يحتاجها؟ وهل نعرف أصلاً ما هي الوظائف التي ستحتاجها تونس خلال السنوات العشر القادمة؟
المراجعة يجب أن تبدأ من التعليم الأولي والابتدائي، لأن إصلاح الجامعة دون إصلاح الأساس يشبه محاولة إصلاح البناء من الطابق الأخير. الطفل لا يحتاج في السنوات الأولى إلى حشو معرفي ضخم، وإنما إلى بناء قوي في القراءة والكتابة والحساب واللغة والتفكير والتواصل والفضول العلمي. اليونسكو تؤكد أن المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والرياضيات والمهارات الاجتماعية والعاطفية هي قاعدة التعلم طوال الحياة، وأن ضعفها يمكن أن يؤدي لاحقاً إلى الإقصاء والتسرب من التعليم.
وهنا توجد نقطة شديدة الأهمية في الحالة التونسية: النجاح في المدرسة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد التلاميذ الذين يمرون من سنة إلى أخرى، وإنما بما يعرفه هؤلاء التلاميذ فعلاً عند نهاية كل مرحلة. وجود نسبة تمدرس مرتفعة لا يعني بالضرورة وجود تعليم قوي. نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تشير إلى أن نسبة التمدرس للفئة العمرية 6 إلى 14 سنة بلغت حوالي 97.3%، لكن 4.5% من الأطفال بين 6 و16 سنة كانوا خارج الوسط المدرسي.
المشكلة الثانية تظهر بوضوح في المرحلة الإعدادية والثانوية. هنا تبدأ الفوارق بين التلاميذ في الاتساع، ويظهر الضغط المرتبط بالامتحانات، وتصبح المدرسة في كثير من الحالات فضاءً للتحضير للاختبار أكثر من كونها فضاءً لبناء الشخصية والمهارات. ومن هنا تأتي ظاهرة الدروس الخصوصية التي لا يمكن فهمها فقط باعتبارها سلوكاً فردياً لدى بعض الأسر أو المدرسين، وإنما باعتبارها أيضاً مؤشراً على وجود خلل في الثقة بين المدرسة الرسمية والأسرة وعلى عدم قدرة المدرسة وحدها على ضمان المستوى المطلوب لجميع التلاميذ.
ثم نصل إلى البكالوريا والجامعة، وهنا تصبح الأزمة أكثر وضوحاً. البكالوريا أصبحت في الوعي الاجتماعي بوابة مصيرية، والجامعة أصبحت بالنسبة إلى عدد كبير من الشباب امتداداً طبيعياً لمسار دراسي طويل. لكن المشكلة أن الانتقال من التعليم إلى العمل لا يحدث بالسهولة نفسها. الدولة نفسها أصبحت تتعامل مع هذا الخلل باعتباره ملفاً يستوجب الإصلاح؛ ففي عرض حكومي متعلق بمشروع قانون المالية لسنة 2026، تم الحديث عن دعم إصلاح التعليم من خلال تشخيص وضع المنظومة وتصميم برامج ومسارات تعليمية بديلة وتهيئة فضاءات تعليمية جديدة.
وهذا مهم لأنه يعني أن فكرة الإصلاح ليست غائبة تماماً عن الدولة. كما أن وزارة التربية قامت خلال 2026 بإجراءات تتعلق بالتنظيم البيداغوجي، ونظام التقييم والتدرج في المرحلة الابتدائية، والبرامج والكتب المدرسية، إضافة إلى وجود مسارات مختلفة في التعليم الثانوي مثل الآداب والعلوم والاقتصاد والخدمات وتكنولوجيات المعلومات والعلوم التقنية.
لكن السؤال الأصعب هو: هل نحن أمام إصلاح حقيقي للمنظومة أم أمام إدارة مستمرة للمنظومة القديمة مع إدخال تعديلات عليها؟
الفرق بين الاثنين كبير جداً.
الإصلاح الحقيقي لا يعني تغيير كتاب مدرسي أو إضافة مادة أو حذف مادة أو تغيير نظام الامتحان. الإصلاح الحقيقي يعني إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها، وفي طريقة تكوين المدرس، وفي طريقة تقييم التلميذ، وفي علاقة المدرسة بالأسرة، وفي علاقة الجامعة بالمؤسسة الاقتصادية، وفي طريقة تعيين المسؤولين وإدارة المؤسسات التعليمية، وفي طريقة قياس النتائج.
المشكلة الداخلية الأكبر ربما ليست مادية فقط، وإنما تنظيمية وثقافية أيضاً. يمكن أن تمتلك المدرسة أجهزة وحواسيب وسبورات رقمية ومخابر جديدة، ولكن إذا ظل المدرس يعمل بنفس الطريقة القديمة، وظل المدير يعمل بمنطق إداري بيروقراطي، وظلت الإدارة المركزية تضع قراراتها بعيداً عن الواقع اليومي للمؤسسات، فإن التكنولوجيا ستصبح مجرد طبقة جديدة فوق منظومة قديمة.
وهنا نصل إلى موضوع العقليات.
لا يمكن إصلاح التعليم من الخارج فقط، لأن جزءاً من الأزمة موجود داخل المنظومة نفسها. هناك اختلاف طبيعي بين أجيال المدرسين والإداريين والتلاميذ والطلبة. الجيل الذي تلقى تكوينه المهني في عصر كانت فيه المعلومة نادرة والكتاب هو المصدر الأساسي للمعرفة، يواجه اليوم جيلاً يعيش وسط الهاتف والإنترنت والذكاء الاصطناعي والفيديو والمحتوى المفتوح. الطفل يستطيع خلال دقائق أن يصل إلى معلومة كان يحتاج سابقاً إلى كتاب كامل للوصول إليها.
لكن المشكلة ليست في أن الجيل القديم سيئ أو أن الجيل الجديد أفضل. هذا تبسيط خطير. المشكلة أن المدرسة لم تعِد صياغة العلاقة بين الطرفين بما يتناسب مع التحول التكنولوجي والاجتماعي. المدرس لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة، لكنه يمكن أن يصبح أكثر أهمية باعتباره موجهاً وناقداً للمعلومة ومساعداً على التفكير والتحليل والتحقق.
وهذا التغيير يتطلب تغييراً في تكوين المدرسين أنفسهم. ليس المقصود فقط تكوينهم في استعمال الحاسوب أو الذكاء الاصطناعي، وإنما تكوينهم في طرق التدريس الحديثة، وفي علم النفس التربوي، وفي التعامل مع اختلاف قدرات التلاميذ، وفي تقييم المهارات، وفي التعامل مع المعلومات المضللة، وفي تدريب التلميذ على البحث والتحليل.
هناك أيضاً مشكلة مرتبطة بالشفافية. القول إن المسؤولين “يخفون” مشاكل المنظومة عن المواطن يحتاج إلى دليل مباشر حتى يمكن تأكيده. لا أستطيع أن أؤكد وجود سياسة عامة متعمدة لإخفاء هذه المشاكل. لكن يمكن القول إن هناك فجوة بين المواطن وبين البيانات التفصيلية التي تسمح له بفهم أداء التعليم. المواطن يحتاج إلى معرفة عدد التلاميذ الذين يغادرون المدرسة، ونسب النجاح الحقيقية، ومستوى التعلمات، والفوارق بين الجهات، وحجم الدروس الخصوصية، وكلفة التلميذ، ونسبة إدماج خريجي كل اختصاص في سوق العمل، وما هي الاختصاصات التي تنتج أعداداً أكبر من الخريجين مقارنة بحاجات الاقتصاد.
هذه البيانات ينبغي أن تكون متاحة بصورة دورية ومفهومة للعموم. الشفافية ليست ترفاً، لأنها تجعل الإصلاح قابلاً للمراقبة.
أما السؤال حول وجود نية حقيقية للإصلاح من داخل المنظومة، فالمعطيات المتاحة تقول إن هناك بالفعل توجهات وإجراءات ومؤسسات ومشاريع مرتبطة بالإصلاح. ففي سبتمبر 2025 دعا رئيس الجمهورية إلى إصلاح شامل للتعليم، وتحدث عن معالجة الاختلالات المتراكمة، كما أُشير إلى المجلس الأعلى للتربية والتعليم باعتباره مؤسسة دستورية مرتبطة بالقطاع.
لكن وجود نية سياسية أو إدارية لا يكفي لإثبات نجاح الإصلاح. الإصلاح الحقيقي يجب أن يُقاس بالنتائج بعد سنوات، لا بالخطابات والوثائق. هل تحسن مستوى القراءة؟ هل انخفض التسرب؟ هل تحسنت علاقة المدرسة بالتلميذ؟ هل تراجعت الحاجة إلى الدروس الخصوصية؟ هل أصبح خريج الجامعة أكثر قدرة على دخول سوق العمل؟ هل أصبحت البرامج تتغير بسرعة عندما تتغير حاجات الاقتصاد؟ هذه هي الأسئلة التي ستحدد قيمة الإصلاح.
أما في التعليم العالي، فإن المسألة أكثر حساسية. لا يمكن القول إن هناك اختصاصات “لا جدوى لها” بصورة مطلقة. اختصاص قد يكون ضعيف الطلب في سوق العمل التونسي لكنه مهم للبحث العلمي أو الثقافة أو الإدارة أو الاقتصاد مستقبلاً. لذلك الأدق هو الحديث عن اختصاصات أو مسارات تعاني من ضعف الطلب المهني أو من فائض كبير في عدد الخريجين مقارنة بالفرص المتاحة.
والبيانات المتاحة تؤكد أن المشكلة ليست محصورة في اختصاص واحد. في بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول بطالة حاملي الشهادات الجامعية، تظهر فروق مهمة بين مجالات الشهادات وبين الجنسين. كما أن بعض المجالات مثل العلوم الاجتماعية والإنسانية والاقتصاد والتصرف والقانون وتكنولوجيات المعلومات والاتصال تعرف مستويات بطالة مرتفعة في بعض الفئات، في حين تظهر مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية معدلات أقل نسبياً في البيانات المنشورة.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: لا ينبغي لتونس أن تسأل فقط “أي اختصاصات نغلق؟”، بل ينبغي أن تسأل “كم نحتاج من خريجي كل اختصاص؟ وبأي مهارات؟ وفي أي منطقة؟ ولأي قطاعات؟”.
قد يكون لدينا مثلاً اختصاص يحتاج إليه الاقتصاد، لكن الجامعة تخرج منه آلاف الطلبة بينما الاقتصاد يحتاج إلى مئات فقط. في هذه الحالة لا يكون الاختصاص عديم الجدوى، وإنما يصبح حجم التكوين غير متناسب مع الطلب.
وهنا يمكن أن يبدأ الإصلاح الحقيقي للتعليم العالي. كل اختصاص جامعي ينبغي أن يخضع بصورة دورية لمؤشرات واضحة: عدد الطلبة، عدد الخريجين، نسبة النجاح، نسبة التشغيل بعد سنة وثلاث سنوات وخمس سنوات، الأجور الأولية، نوعية الوظائف، حجم الطلب من المؤسسات، نسبة الطلبة الذين يواصلون البحث العلمي، ومدى ارتباط البرنامج بالتحولات التكنولوجية.
وزارة التعليم العالي نفسها لديها مشروع يرتبط بتعزيز التعليم العالي من أجل الابتكار والمرونة وقابلية التشغيل، وتشير وثائق المشروع إلى مشكلة عدم كفاية الموارد والكوادر في بعض المؤسسات لإدماج المناهج البيداغوجية الرقمية والمبتكرة، وإلى ضرورة دعم المسارات ذات قابلية التشغيل المرتفعة.
وهنا يظهر سؤال الذكاء الاصطناعي.
في سنة 2026، لا يمكن أن تبقى الجامعة التونسية تتعامل مع سوق العمل كما لو أن التكنولوجيا لم تتغير. الذكاء الاصطناعي لن يلغي كل الوظائف، لكنه سيغير طبيعة عدد كبير منها. وهذا يعني أن الطالب في القانون أو الاقتصاد أو الإعلام أو التصميم أو الهندسة أو اللغات لن يكون قادراً على الاعتماد على الشهادة وحدها. سيحتاج إلى مهارات رقمية وتحليلية وتواصلية ومهنية قابلة للتطبيق.
حتى اختصاصات تبدو مطلوبة اليوم قد تصبح أقل طلباً إذا كانت الجامعة تنتج خريجين بالمهارات القديمة. وفي المقابل، قد تظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة أصلاً عندما وضعت البرامج الحالية.
لهذا السبب، لا يكفي إصلاح “الاختصاصات”. يجب إصلاح مفهوم الاختصاص نفسه. الجامعة المستقبلية تحتاج إلى مسارات أكثر مرونة تسمح للطالب بدمج أكثر من مجال. طالب الاقتصاد يمكن أن يتعلم تحليل البيانات. طالب الإعلام يمكن أن يتعلم الذكاء الاصطناعي والتحقق الرقمي. طالب القانون يمكن أن يتعلم التكنولوجيا القانونية. طالب التصميم يمكن أن يتعلم أدوات الإنتاج بالذكاء الاصطناعي. وطالب الهندسة يحتاج إلى مهارات إدارة المشاريع وريادة الأعمال والتواصل.
الإصلاح الحقيقي إذن ليس تحويل الجميع إلى مهندسين ومبرمجين، وإنما بناء منظومة تستطيع أن تعرف ماذا يحتاج المجتمع وماذا يحتاج الاقتصاد، ثم تعطي الطالب القدرة على التعلم المستمر.
أما الحل المالي، فهو ضروري لكنه ليس كافياً. المدرسة تحتاج إلى بنية تحتية جيدة، والجامعة تحتاج إلى مختبرات وتجهيزات وتمويل للبحث العلمي، والمدرس يحتاج إلى ظروف مهنية محترمة، لكن ضخ الأموال في منظومة لا تقيس نتائجها قد يؤدي إلى ارتفاع الكلفة دون ارتفاع الجودة.
المطلوب هو الانتقال من منطق “كم أنفقنا؟” إلى منطق “ماذا أنتج هذا الإنفاق؟”.
وهنا يمكن أن تصبح المدرسة التونسية أكثر استقلالية في بعض القرارات اليومية، مع وجود تقييم ومساءلة حقيقية. ويمكن أن يحصل المدرس على تكوين مستمر مرتبط بالممارسة وليس مجرد دورات شكلية. ويمكن أن يصبح للقطاع الاقتصادي حضور منظم في تصميم بعض البرامج الجامعية والتقنية دون أن يتحول التعليم إلى مجرد مصنع للعمالة. ويمكن تطوير التعليم المهني حتى يصبح مساراً محترماً وليس خياراً يُدفع إليه التلميذ بعد فشل المسار العام.
الأهم من كل ذلك هو تغيير النظرة الاجتماعية إلى التعليم المهني والتقني. الاقتصاد الحديث لا يحتاج فقط إلى أصحاب الشهادات الجامعية، بل يحتاج أيضاً إلى تقنيين ومختصين في الصيانة والطاقة والميكاترونيك والبرمجيات والشبكات والتبريد والطاقة الشمسية والصناعات الغذائية واللوجستيك وغيرها. وفي المقابل، لا معنى لتوسيع أعداد الخريجين في مجال معين إذا كان الاقتصاد لا يستطيع استيعابهم.
وفي النهاية، أزمة التعليم في تونس ليست أزمة مدرسة فقط، ولا أزمة جامعة فقط، ولا أزمة وزير أو حكومة فقط. إنها أزمة منظومة كاملة تربط المدرسة بالأسرة والجامعة والاقتصاد والإدارة والثقافة الاجتماعية وسوق العمل.
والمشكلة الأخطر هي أن إصلاح التعليم يحتاج إلى وقت أطول من المدة السياسية والإدارية المعتادة. تغيير وزير أو مدير أو برنامج يمكن أن يحدث خلال أشهر، لكن تغيير طريقة تفكير جيل كامل يحتاج إلى سنوات. ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن يحدث هو أن يصبح الإصلاح نفسه سلسلة من القرارات المتعاقبة التي تتغير بتغير المسؤولين.
تونس لا تحتاج إلى إصلاح تعليمي جديد كل بضع سنوات، بل تحتاج إلى سياسة تعليمية مستقرة تمتد لعشر أو عشرين سنة، لها أهداف قابلة للقياس، وبيانات منشورة، ومراجعة دورية، ومشاركة حقيقية من المدرسين والجامعات والطلبة والمؤسسات الاقتصادية والمجتمع المدني.
والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط: هل ستصلح تونس التعليم؟
السؤال الأهم هو: هل تستطيع تونس أن تعترف أولاً بكل ما لا يعمل داخل منظومتها التعليمية، حتى لو كان الاعتراف مؤلماً، ثم تبني إصلاحاً لا يحمي المؤسسات القديمة ولا الاختصاصات المتقادمة ولا العقليات الإدارية، وإنما يحمي حق التلميذ والطالب في تعليم يجعله قادراً على العيش والعمل والتفكير في تونس سنة 2030 وما بعدها؟
لأن إصلاح التعليم لا يبدأ من الحائط أو الطاولة أو الحاسوب. يبدأ من الإنسان الذي يقف أمام التلميذ، ومن المسؤول الذي يضع القرار، ومن الجامعة التي تختار الاختصاص، ومن الدولة التي تحدد الأولويات، ومن قدرتنا جميعاً على الاعتراف بأن العالم تغير، وأن المدرسة التي كانت مناسبة لعالم الأمس لا يمكن أن تبقى كما هي في عالم 2026.




