صفاقس : من تحويل ندرة المياه إلى نموذج للتنظيم والصمود…محمد جمال الشرفي

صفاقس : من تحويل ندرة المياه إلى نموذج للتنظيم والصمود…محمد جمال الشرفي

8 أوت 2026، 20:45

في منطقة كانت فيها الأمطار منخفضة وغير منتظمة، كانت المياه منذ فترة طويلة أحد الاهتمامات الرئيسية لسكان صفاقس. وقد ساهم هذا القيد الطبيعي في تشكيل تنظيم المدينة، وهندسة المنازل، والبنية التحتية العامة، وحتى ظهور المهن التي اختفت الآن.

وهكذا طورت المدينة القديمة، عبر القرون، نظاما بارعا لجمع وتخزين وتوزيع المياه، يقوم على التكامل بين المنشآت الخاصة والمرافق الجماعية والعمل اليومي لناقلات المياه.
ومن بين هذه المهن كانت مهنة “الطراق” ناقلة المياه، وهي شخصية أساسية في الحياة الحضرية قبل إنشاء الشبكات الحديثة.

وكانت مهمتها نقل المياه من الآبار أو الصهاريج أو نقاط المياه العامة إلى المنازل والشركات وأحياناً إلى الأحياء البعيدة. قدمت هذه المهنة خدمة عامة حقيقية سابقة لعصرها وضمنت إمداد الأسر التي لم يكن لديها احتياطيات كافية. وقد حافظت الذاكرة الشعبية الصفاقسية على ذكرى بعض هؤلاء السقاة، الذين كان من الممكن أن يطلق أحدهم اسمه على مهرجان الشعري، بسبب عمليات التسليم التي قام بها لمنطقة سيدي بوشويشة.
داخل المنازل، سعت كل عائلة إلى ضمان استقلالها الهيدروليكي.

وكان العنصر الأكثر أهمية هو “الماجل”، وهو عبارة عن صهريج كبير تحت الأرض مخصص لتجميع مياه الأمطار القادمة من المدرجات باستخدام شبكة من الأنابيب. وكانت هذه المياه، النقية والعذبة نسبيًا، مخصصة للاستهلاك اليومي وإعداد الطعام. بالإضافة إلى ذلك، كان لدى العديد من المنازل بئر لاستغلال المياه الجوفية. ومع ذلك، كانت جودتها في كثير من الأحيان رديئة أو قليلة الملوحة، وكانت تستخدم بشكل أساسي للغسيل والتنظيف والاستخدامات المنزلية التي لا تتطلب مياه صالحة للشرب.
واستفادت المدينة أيضًا من شبكة رائعة من المرافق العامة. تشير التقاليد إلى أن الملك الموحدي محمد الناصر قام ببناء 365 أو 366 صهريجًا عامًا في بداية القرن الثالث عشر، وهو ما يتوافق رمزيًا مع عدد أيام السنة. ويهدف هذا الإنجاز إلى التخفيف من آثار الجفاف وتزويد السكان باحتياطيات مياه دائمة. ومع مرور الوقت، سيتجاوز عددهم الستمائة، مما يوضح الأهمية الاستراتيجية لهذه السياسة المائية.
وشكلت نوافير الخزان الكبيرة رابطًا أساسيًا آخر في هذا النظام. ومن أشهرها نافورة برج القصبة الموروثة من العصور الوسطى، وكذلك نافورة باي التي بنيت في عهد علي باشا بك بين عامي 1772 و1774. وقد غذت هذه المنشآت المياه من المناطق النائية بشكل كبير الاحتياطيات المتاحة وساعدت في تأمين إمدادات المدينة. كما كانت الآبار العامة الموزعة على طول الطرق الرئيسية تخدم المسافرين والقوافل والحيوانات.
تُظهر جميع هذه الأجهزة قدرة رائعة على التكيف مع البيئة القاحلة. قبل ظهور التقنيات الحديثة بفترة طويلة، كان سكان صفاقس قد طوروا إدارة رشيدة للمياه تعتمد على حصاد الأمطار وتخزينها على المدى الطويل والتضامن الجماعي والتوزيع على أيدي متخصصين متخصصين. شكلت هذه المنظمة تراثًا تقنيًا واجتماعيًا حقيقيًا، وهي ثمرة عدة قرون من الخبرة.
كان وصول فترة الحماية الفرنسية بمثابة علامة تدريجية على نهاية هذا النظام التقليدي. ومع إنشاء شبكات إمدادات المياه التي يتم إمدادها من الموارد الموجودة في المناطق الداخلية من البلاد، ولا سيما تلك الموجودة في منطقة سبيطلة، فقدت الصهاريج العامة والنوافير التاريخية ومهنة نقل المياه وظيفتها تدريجيا. ومع ذلك، تظل هذه الأعمال اليوم شاهدة رئيسية على التاريخ الحضري لصفاقس وتذكر بالبراعة التي تمكن بها سكانها من تحويل ندرة المياه إلى نموذج للتنظيم والصمود.
بقلم : محمد جمال الشرفي.

مواضيع ذات صلة