طاهر السريرة … قصة قصيرة.

طاهر السريرة … قصة قصيرة.

16 جوان 2026، 13:30

خرج من البيت كشيء زائد عن الحاجة، متكورا في معطفه يتدحرج ككتلة حسك قذفت بها رياح السموم، ولم يكن يخرجه من هذا المظهر الكروي إلا تحريك رأسه من حين لآخر عند قطع الطريق.

بعد لحظات سيصل إلى المقهى ويجلس إلى طاولة وتأتيه قهوته المعتادة ويفتر فمه الرقيق الأنثوي عن ابتسامة شكر للنادل. ينتظر لحظات حتى تبرد قهوته ليبدأ ترشفها على مهل، ويظل يحملق إلى كل داخل إلى المقهى بعينيه الواسعتين المائلتين إلى الجحوظ، ثم ينظر إلى ساعته في حركة آلية دون إدراك ودون أن ينتبه إلى الوقت، لأنه في الحقيقة لم يكن ينتظر أحدا ولم يكن مكوثه في المقهى مرتبطا بزمن محدد، فعندما يمل الجلوس وتتيبس مفاصله قد يقرر أن يقف محاذرا أن يصطدم بطنه بالطاولة ويخرج بعد أن يمسح صلعته التي تكون قد تعرقت دون سبب ظاهر.

الجميع متفقون على أنه طاهر السريرة، فيلقونه بالترحاب وإظهار الشوق. فصدره رحب لكل بذاءاتهم وصخبهم ونميمتهم، يقدم إضافات مدروسة لأقوالهم فينتشون لحضوره، ثم يستدرك أنه لا يريد الخوض في أعراض الناس، لكنه لا يؤاخذ أحدا على شيء، فيشعرون أنه كاتم أسرارهم مهما أوغلوا في الخصوصية.

وصل أخيرا إلى المقهى دون أن يعترض سبيله واحد من الممجدين. رحب النادل بقدومه وأحضر بسرعة قهوته ووضعها على الطاولة وانصرف.

مرت لحظات برودة القهوة،ثم انتبه طاهر السريرة أن المقهى أصبح خاليا في ومضة كالبرق وساد سكون مريب، وحتى النادل بدا كأنه تبخر أو كأن الأرض ابتلعته، ولما ترشف رشفته الأولى أحس بمذاق القهوة متغيرا وبثقلها في حلقه يخز حنجرته كالإبر.

كما لاحظ باندهاش أن الطاولة اقتربت إلى بطنه المنتفخ وثبتت جلوسه على الكرسي الذي فاض عن جانبيه فخذاه العريضان. أراد أن ينشغل عن كل ما يحدث عله يتلاشى بعد لحظات فسحب كنشه الذي ملأه بمشاعره الحاقدة على كل المحيطين به و أضاف أسطرا عن النادل فكتب:” نادل سخيف، يريد إبهارنا بترحابه المصطنع وسرعة حركته وابتسامته البلهاء، وأنا أعلم أنه لا يفعل ذلك إلا استدرارا لمكرمة هزيلة على واجب يعده فضلا ، تبا له ولأمثاله”.

ما إن انتهى من كتابة السطر الأخير حتى ظهر النادل من جديد. قلب الصفحة وعاد إلى الكتابة فدون: ” جيران قذرون، صخبهم لا ينتهي ، يظنون ابتساماتي لهم حبا وإصغائي إليهم تعاطفا، لا أدري لماذا لم تعصف بهم الكورونا كما عصفت بأمي، لا بد أن يأتي وباء آخر يقضي عليهم على بكرة أبيهم.”

رفع بصره عن الورقة فرأى بعض الحرفاء يعودون إلى طاولاتهم ويستأنفون حديثهم وكأنهم لم يخرجوا من المقهى.

في صفحة جديدة كتب: ” عمر مضى في معاشرة أنذال يتوهمون أني صفيهم، أعرف أسرارهم وأحقادهم. لو أدركوا مدى كرهي لهم لضنوا علي حتى بالنظر، تبا لهم ، أغبياء، أدعياء.الحمد لله أن الموت سيمحو هذه الأشكال محوا.”

بعد أن دون كلمته الأخيرة عاد الضجيج إلى المقهى، كل الحرفاء عادوا إلى حيث كانوا جالسين وكأنهم لم يتحركوا من أماكنهم. وانتبه إلى الطاولة تبتعد عن بطنه، ترشف رشفة ثانية، عاد مذاق القهوة مألوفا كما عهده. نظر إلى باب المقهى، رأى رجلا غريبا يدخل وفي يده حافظة أوراق، يتجه إلى طاولته مباشرة ودون استئذان يسحب كرسيا ويجلس ويرفع قبعته كاشفا عن صلعة تشبه صلعته ثم يقول:” أين اختفيت، بحثنا عنك طويلا ، ألم تعدنا بالقدوم في الموعد المحدد يا طاهر السريرة؟”

هم بالكلام لكن الرجل باغته بسحب ورقة رسمية وناوله قلما قائلا: أمض هنا تحت الاسم.

فقال طاهر السريرة : أمضي على ماذا؟

نظر إليه الرجل نظرة حادة زاجرة قائلا:” أمض على محضر استلام ذاتك”.

تأليف : سالم المتهني( تونس)

مواضيع ذات صلة