عبد الحميد الكراي: خباز تقليدي وفنان في “الحضرة” الصفاقسية…بقلم: محمد جمال الشرفي.
لم يكن عبد الحميد الكراي مجرد خباز تقليدي، اشتهر بإعداد أصناف متنوعة من الخبز الصفاقسي، بل كان -وفقاً لروايات تستحق التوثيق والدراسة- شخصية فريدة جمعت بين مهنة الخباز وفن “الحضرة” (وهي طقوس وأناشيد دينية تقليدية). وبذلك، ساهم في الحفاظ على جزء من الذاكرة الشعبية لمدينة صفاقس، من خلال حضوره في الاحتفالات والأعراس والمناسبات المختلفة.
وتكتسب مسيرته أهمية خاصة عند الحديث عن حي “برج النار”، الذي يزخر بذاكرة اجتماعية وثقافية متعددة الروافد، حيث تمازجت العادات المحلية والموسيقى والحرف التقليدية. وفي هذا السياق، لم تكن المهن الشعبية منفصلة بالضرورة عن الحياة الفنية؛ إذ كان الحرفي جزءاً لا يتجزأ من نسيجه الاجتماعي، وكانت المناسبات العائلية تشكل فضاءً لانتقال الألحان والإيقاعات والتقاليد من جيل إلى جيل.
“برج النار”: فضاء اجتماعي متعدد الثقافات
إن الحديث عن عبد الحميد الكراي يستدعي التوقف عند البيئة الاجتماعية التي ارتبط بها اسمه، وتحديداً حي “برج النار” في صفاقس. فقد احتضنت المدينة، في فترات مختلفة من تاريخها، مكونات اجتماعية ودينية متنوعة، من بينها الجالية اليهودية التونسية التي لعبت دوراً فاعلاً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وتشير الروايات المحلية -التي تشكل مادة هذا المقال- إلى أن جزءاً من سكان “برج النار” كانوا من الديانة اليهودية. كما كانت بعض نساء هذا الحي يتقنّ العزف على آلة الأورغ، ويشاركن في إحياء الحفلات النسائية. تُعد هذه المعلومة نقطة انطلاق هامة لدراسة تاريخ الموسيقى المنزلية والاحتفالات العائلية، فضلاً عن أشكال التفاعل الثقافي التي ميزت أحياء مدينة صفاقس.
ومع ذلك، فإن إعادة تكوين المشهد الديموغرافي للمنطقة، وتحديد هوية العائلات التي كانت تقطنها، وطبيعة الأنشطة الموسيقية التي كانت تمارسها النساء، تتطلب مزيداً من الشهادات الشفهية والوثائق التاريخية حتى يتسنى تقديمها كحقائق موثقة. فذاكرة الأحياء لا تقتصر على الإحصائيات السكانية فحسب، بل تشمل أيضاً تفاصيل الحياة اليومية وطبيعة العلاقات بين الجيران والحرفيين والموسيقيين.
عبد الحميد الكراي: من المخبز العائلي إلى مدرسة الشيخ محمد بودية
تتيح لنا الشهادة التي قدمها الكاتب محمد الحبيب السلامي، ونُشرت في صحيفة “الصريح” بتاريخ 28 أغسطس 2024، فهماً أعمق لمسيرة عبد الحميد الكراي، وتسلط الضوء على المسارين اللذين جمعهما في حياته: مهنة الخبازة والممارسة الموسيقية.
ينحدر عبد الحميد الكراي من عائلة معروفة في صفاقس، يرتبط اسمها بـ “سيدي علي الكراي”. وقد وجهه والده “عمر” في البداية نحو “زاوية سيدي علي الكراي” لتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. وفي مرحلة لاحقة، التحق عبد الحميد بمخبز والده الكائن في “نهج السباع” بالقرب من الأسوار؛ وهناك تعلم أصول مهنة الخبازة، مكتسباً مهاراته وخبرته في كنف العائلة. لم يكن المخبز، في واقع الأمر، بعيداً عن عالم الموسيقى؛ فقد كان ملاصقاً لمنزل الشيخ محمد بوداية، أحد أشهر الموسيقيين في مدينة صفاقس. وكان عبد الحميد، الذي تأسرُه تلك الألحان، يجد نفسه منجذباً نحو الدار التي تنبعث منها؛ وهناك تطورت علاقته بالموسيقى، من مجرد الاستماع إليها إلى تعلمها وممارستها.
ووفقاً للشهادة ذاتها، علّمه الشيخ محمد بوداية العزف على بعض آلات النفخ، ولا سيما “الزكرة” و”القرنيطة”. وكان الشيخ يصطحبه معه إلى حفلات الزفاف، مما ساهم في ذيوع صيته. وهكذا دخل “الكرّاي” عالم الموسيقى، بادئاً كمتعلّم ومرافق، قبل أن يرسّخ لنفسه حضوراً مستقلاً في الاحتفالات الشعبية.
خبز صفاقس التقليدي: حرفةٌ قائمةٌ على المهارة والذاكرة
إذا كان عبد الحميد الكرّاي قد اكتسب شهرته الموسيقية بفضل “الحضرة”، فإن جانباً آخر من شهرته يرتبط بالخبز التقليدي، وهي حرفةٌ تعلّم أصولها في مخبز والده. وتشير الروايات الشفهية المحلية إلى أنواعٍ متنوعة من الخبز الصفاقسي، مثل “الفيف” و”الطباق” و”الشواي”. وتستحق هذه المسميات توثيقاً دقيقاً – من خلال جمع شهادات الخبازين القدامى وأهل المهنة – لتسجيل طرق تحضيرها، وتسمياتها المحلية، والخصائص التي تميز كل نوعٍ منها.
ولا يقتصر الخبز التقليدي على كونه مجرد مادة غذائية تهدف إلى سدّ الحاجة……الحياة اليومية؛ فهي تشكل جزءاً من تاريخ العائلة والحي والمدينة. وتُعد المخبزة مستودعاً لخبرة عملية تتوارثها الأجيال: بدءاً من اختيار المكونات وإعداد العجين، وصولاً إلى ضبط درجة حرارة الفرن وتحديد اللحظة المناسبة لإخراج الخبز.
ومن هذا المنظور، تتجلى الأهمية البالغة لمخبزة “الكرّاي” في الذاكرة المحلية. فهي لم تكن مجرد مكان للعمل وكسب الرزق، بل شكلت حلقة وصل بين الحرفي وسكان الحي، وجسراً يربط بين تفاصيل الحياة اليومية والمناسبات الاجتماعية. وبحكم طبيعة مهنته، كان الخباز على تواصل دائم مع العائلات ومع إيقاع الحياة في محيطه.
وتشير شهادة الحبيب السلامي إلى أن المخبزة العائلية كانت معروفة جيداً لدى زبائنها؛ كما يتطرق إلى الظروف الاجتماعية التي أثرت على الإقبال عليها في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية. وتكشف هذه التفاصيل أن تاريخ الخبز في مدينة صفاقس لا ينفصل عن تاريخ المجتمع وعاداته، وعن نظرته للمهن والأحياء السكنية.
«الحضرة» الصفاقسية: فنٌّ روحي واجتماعي
لم يقتصر نشاط عبد الحميد الكرّاي على العزف في حفلات الزفاف فحسب، بل ارتبط أيضاً بـ “الحضرة” الصوفية، وبـ “المدائح” (أناشيد الثناء) و”الأذكار” (الدعوات والتهليلات). وتذكر شهادةٌ نُشرت في صحيفة “الصريح” أنه انضم إلى الطريقة “البركية”، وتعلّم أناشيدها، وشارك في خرجاتها الأسبوعية. وكانت هذه المواكب تمر عبر عدة “زوايا” (مزارات صوفية) وأماكن للتعبد ترتبط بأولياء صالحين ينتمون إلى عائلة الكرّاي. تكشف هذه الممارسة عن جانبٍ مهمٍ من شخصيته الفنية؛ فبالنسبة له، لم تكن “الحضرة” مجرد أداءٍ موسيقيٍّ عابر، بل كانت ممارسةً متجذرةً في تقاليد روحية، ومرتبطةً بالانتماء إلى وسطٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ محدد. فقد أضفت أناشيد المدائح والترانيم والإيقاعات الجماعية طابعاً فريداً على هذه التجمعات، رابطةً المشاركين بتراثٍ توارثته الأجيال.
وقد عرفت مدينة صفاقس أشكالاً متنوعةً من هذا الفن، جمعت بين الغناء الصوفي وآلات الإيقاع وآلات النفخ؛ كما شهدت بعض عروضه لاحقاً تطوراتٍ على مستوى التوزيع الموسيقي. وتؤكد الكتابات التي تناولت التراث الموسيقي في صفاقس استمرارية هذه التقاليد، بفضل فرقٍ موسيقيةٍ نجحت في الحفاظ على “النوبات” والمدائح والأغاني الشعبية.
وفي حفلات الزفاف والمناسبات العائلية، لا يقتصر دور الفنان الشعبي على الأداء الموسيقي فحسب، بل يسهم في خلق أجواءٍ احتفالية، ويمنح الحدث هويته المحلية، كما يعيد تقديم ألحانٍ يألفها الجمهور ويتفاعل معها. ومن هنا يتضح كيف استطاع عبد الحميد كراي الحضور في مجالين، يبدوان للوهلة الأولى منفصلين، لكنهما في الواقع مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالحياة اليومية للناس: الخبز الذي تجتمع حوله العائلة، والموسيقى التي تجمع الأفراد في الاحتفالات والمناسبات البارزة.
بين المخبز والمسرح: شخصيةٌ واحدة، ومهنتان
تكمن خصوصية عبد الحميد كراي في جمعه بين مهنة الخباز وممارسة الفن الشعبي، دون أن يكون بين النشاطين أي تعارضٍ بالضرورة. فخلال النهار، كان المخبز يفرض إيقاعه الخاص، متطلباً مهارةً ودقةً وصبراً؛ خلال الاحتفالات، كانت الموسيقى تفتح له فضاءً آخر للتعبير والتواصل الوجداني مع الجمهور.
ولا ينبغي النظر إلى هذا النشاط المزدوج كظاهرة غريبة أو استثنائية في سياق المجتمع التقليدي؛ فقد كان العديد من الفنانين الشعبيين يمارسون مهنةً توفر لهم دخلاً، بينما يخصصون جزءاً من وقتهم للموسيقى، أو الإنشاد الديني، أو إحياء المناسبات. ومع ذلك، تكمن أهمية “كراي” في أن اسمه -وفقاً للروايات الشفهية- ظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذين المجالين. فقد كان المخبز بمثابة فضاءٍ لاكتساب المهارات اليدوية والمعارف المتوارثة، في حين مثّلت “الحضرة” مجال الذاكرة الشفهية والإيقاع والغناء. وعند تقاطع هذين العالمين، تتشكل ملامح فنانٍ لم يأتِ من مؤسسة موسيقية رسمية، بل من بيئة شعبية كان فيها التعلم عبر الممارسة، ومرافقة الأساتذة، والمشاركة في مختلف المناسبات، هي الركائز الأساسية لاكتساب المهارة وبناء السمعة.
من مرحلة التعلم إلى تأسيس فرقة خاصة
شكّل تعلّم عبد الحميد كراي على يد الشيخ محمد بوضياع محطةً مفصلية في مسيرته الموسيقية. وقد أتاحت له هذه التجربة……مما أتاح له التعرف على الآلات الهوائية ومرافقة الفرق الموسيقية في حفلات الزفاف؛ كما منحته هذه التجربة فرصة التواصل المباشر مع الجمهور واكتساب خبرة ميدانية ملموسة.
ووفقاً لما ورد في عملك، قام “كراي” لاحقاً بتشكيل فرقته الخاصة، التي عُرفت باسم “فرقة كراي للحضرة”. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المعلومة – إلى جانب تاريخ تأسيس الفرقة، وتشكيلتها، وهويات أعضائها – تستدعي مزيداً من البحث والتقصي عبر جمع شهادات إضافية؛ إذ إن المصادر المنشورة المتاحة لا تكفي لتحديد هذه التفاصيل بشكل دقيق ومستقل.
ومهما يكن من أمر، فإن الانتقال من مرحلة “المتعلّم” إلى “قائد فرقة موسيقية” يُعدّ بحد ذاته محطةً فارقة في مسيرة أي فنان شعبي. إنها عملية تحوّل: من استيعاب التراث إلى إعادة تقديمه وعرضه، بل وتطوير أساليب الأداء لتلبية تطلعات الجمهور ومتطلبات المناسبات التي تُدعى إليها الفرقة. عبد الحميد كراي في ذاكرة صفاقس.
إن مسيرة عبد الحميد كراي تستحق أن تُقرأ كجزء من التاريخ الاجتماعي والثقافي لمدينة صفاقس، لا كمجرد قصة عابرة عن خبازٍ كان يمارس الموسيقى. فهي تقدم مفتاحاً لفهم الروابط بين الحرف التقليدية والفنون الشعبية، وبين الحياة اليومية والاحتفالات، وكذلك بين أحياءٍ كانت تحتضن أنماطاً حياتية متنوعة وتبادلات ثقافية غنية.
وتزداد أهمية هذه الرواية عند وضعها في سياق حي “برج النار” والذاكرة المحلية؛ حيث تشير الذاكرة إلى وجود عائلات يهودية، وإلى مشاركة بعض النساء في احتفالات نسائية استُخدمت فيها آلة الأورغ. ومع ذلك، فإن توثيق هذه الجوانب يتطلب جمع شهادات من أشخاص عاصروا تلك الحقبة، ومطابقة رواياتهم، والبحث في الأرشيفات -سواء كانت صوراً فوتوغرافية أو تسجيلات أو مقالات قديمة- التي قد تكشف عن أسماء الفنانين والموسيقيين، وطبيعة المناسبات التي كانت تُقام.
وبالمثل، فإن توثيق أنواع الخبز التي اشتهرت بها عائلة “كراي”، وطرق إعدادها، وتاريخ المخبز العائلي، من شأنه أن يوسع نطاق هذه الدراسة لتشمل تاريخ الخبز في مدينة صفاقس، متجاوزاً بذلك مجرد السيرة الذاتية الفردية.
واستناداً إلى الشهادات المتاحة والروايات المحلية، يجسد عبد الحميد كراي نموذج “الحرفي الفنان”؛ فقد نجح في الجمع بين المهارة اليدوية والموهبة الموسيقية. فمن المخبز الذي ورثه عن والده في “نهج السباعي”، وصولاً إلى مجالس “الحضرة” وحفلات الزفاف، تتشكل صورة رجلٍ ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بالخبز التقليدي وبالتراث الموسيقي الصفاقسي. وبذلك، تظل مسيرته مدخلاً لفهم جانبٍ من الذاكرة الشعبية للمدينة. إن الحفاظ على سيرة عبد الحميد كراي يعني، في جوهره، صون جزءٍ من ذاكرة صفاقس ذاتها؛ ذاكرةٍ قوامها الأفران، والأزقة، والأعراس، والمدائح الدينية، حيث تلاقت الحرفة والفن في مسار حياةٍ واحد. المصدر التوثيقي الرئيسي: مقال بقلم محمد الحبيب السلامي، بعنوان “رحيل شخصية بارزة من صففاقس: عبد الحميد الكراي”، نُشر في صحيفة “الصريح” بتاريخ 28 أغسطس 2024.




