مستقبل الزراعة في تونس بين الموروث التقليدي والرهان التكنولوجي…بقلم محمد جمال الشرفي
يبدو مستقبل الزراعة في تونس اليوم أمام مفارقة عميقة تفرض إعادة النظر في المسار الذي اختاره القطاع خلال العقود الأخيرة. فبينما كانت الزراعة التونسية تقوم في جانب مهم منها على أساليب تقليدية مرتبطة بالأمطار، وعلى خبرة تراكمت عبر أجيال في التعامل مع الأرض وإنتاج المحاصيل، اتجهت البلاد تدريجيًا نحو نموذج زراعي صناعي أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا والمواد الكيميائية والمبيدات. ومن هنا تبرز المسألة الأساسية التي ينبغي أن ينطلق منها أي نقاش جدي حول مستقبل الزراعة التونسية: هل يكون التطور الزراعي في العودة إلى نموذج عضوي تقليدي أكثر انسجامًا مع البيئة، أم في تبني نموذج تكنولوجي وصناعي قادر على رفع الإنتاج، أم أن مستقبل تونس يحتاج إلى البحث عن صيغة ثالثة تجمع بين العلم والاستدامة؟
إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في الاختيار بين الماضي والمستقبل بصورة مبسطة، وإنما في فهم طبيعة التحولات التي عرفتها الزراعة التونسية والنتائج التي يمكن أن تترتب عنها. فالملف يذكّر بأن تونس عرفت في مرحلة سابقة نمطًا من الزراعة العضوية التقليدية، وخاصة في إنتاج القمح وبعض المنتجات الزراعية الموجهة إلى التصدير. وكانت التقنيات القديمة، وفق التصور الذي يقدمه النص، تعتمد على معارف زراعية وبيولوجية لم تكن منفصلة عن طبيعة الأرض واحتياجاتها. ومن هذا المنظور، لم تكن الزراعة التقليدية مجرد ممارسة بدائية ينبغي تجاوزها، وإنما كانت تمثل منظومة لها منطقها الخاص في التعامل مع التربة والمياه والمحاصيل.
لكن التحول نحو النموذج الزراعي الجديد، الذي ارتبط في الملف بتدخل جهات الإقراض والمؤسسات المالية الأوروبية، نقل الزراعة من منطق الإنتاج التقليدي إلى منطق أقرب إلى القطاع الصناعي. وهذه النقلة تطرح سؤالًا جوهريًا حول حدود التنمية الزراعية عندما تصبح مرتبطة أساسًا بمتطلبات التمويل والإنتاج والمردودية. فرفع الإنتاج لا يمكن أن يكون الهدف الوحيد إذا كان ثمنه إضعاف التربة أو الإضرار بصحة المستهلك. وإذا كانت الزراعة الحديثة قادرة على توفير إنتاج أكبر في ظروف معينة، فإن نجاحها الحقيقي يجب أن يقاس أيضًا بقدرتها على المحافظة على الأرض التي يعتمد عليها الإنتاج مستقبلًا.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الزراعة التونسية: التقنية التي يفترض أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان يمكن أن تتحول إلى مصدر للخطر إذا استُخدمت دون مراعاة للتوازن البيئي والصحي. فالملف ينتقد بوضوح الاستخدام المكثف للتقنيات الصناعية والمواد الكيميائية والمبيدات، ويرى أن آثارها لا تتوقف عند حدود الحقل، بل تمتد إلى التربة وإلى صحة المواطنين الذين يستهلكون المنتجات الزراعية. ولذلك فإن النقاش حول المبيدات والمواد الكيميائية ليس نقاشًا تقنيًا ضيقًا، بل هو نقاش حول نوع الزراعة التي تريد تونس أن تبنيها، وحول العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين الإنتاج الزراعي وصحة الإنسان وسلامة البيئة.
ومن هذه الزاوية، فإن الدفاع عن الزراعة التقليدية لا ينبغي أن يعني رفض العلم أو التكنولوجيا. فالمشكلة ليست في التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما في الطريقة التي تُستخدم بها وفي الأهداف التي توجهها. فالزراعة التونسية تحتاج بالتأكيد إلى المعرفة العلمية والتقنيات الحديثة، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ألا تفقد صلتها بخصوصية مناخها ومواردها الطبيعية وقدرة تربتها على الاستمرار. ومن الخطأ أن تتحول الحداثة الزراعية إلى مجرد استيراد نماذج جاهزة لا تراعي خصوصية الواقع التونسي.
إن مستقبل الزراعة في تونس يتطلب، في تقديري، تجاوز الثنائية الحادة بين «التقليدي» و«الصناعي». فليس مطلوبًا العودة الكاملة إلى الماضي، كما أن الانفتاح على التكنولوجيا لا يعني بالضرورة القبول بكل أشكال الزراعة الصناعية. المطلوب هو تطوير نموذج تونسي قادر على الاستفادة من المعرفة العلمية الحديثة دون التضحية بالمبادئ الأساسية للاستدامة. ويمكن للتقنيات الحديثة أن تكون جزءًا من الحل إذا وُظفت لتقليل استهلاك المياه، وحماية التربة، والحد من استعمال المواد الكيميائية، وتحسين جودة الإنتاج، بدل أن تكون مجرد أدوات لزيادة الإنتاج بأي ثمن.
وفي هذا السياق تكتسب الزراعة المائية أهمية خاصة، باعتبارها تجربة جديدة يجري العمل عليها في تونس. فهي تمثل انتقالًا من الزراعة المرتبطة مباشرة بالتربة إلى تقنية تعتمد على توفير العناصر اللازمة للنبات في وسط مائي، وهو ما يفتح نقاشًا جديدًا حول مستقبل الإنتاج الزراعي في بلد يواجه تحديات مرتبطة بالموارد الطبيعية والمياه. غير أن إدخال تقنية جديدة لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، بل يجب أن يخضع للتقييم العلمي الدقيق، خاصة من حيث آثارها الاقتصادية والبيئية والصحية. والملف نفسه يطرح الزراعة المائية باعتبارها تقنية تحتاج إلى النظر في آثارها الإيجابية والسلبية على الصحة العامة، وهو ما يجعلها موضوعًا مفتوحًا للدراسة وليس حلًا جاهزًا لكل مشكلات الزراعة التونسية.
إن المسألة الزراعية في تونس، في جوهرها، هي مسألة اختيار مستقبلي. فالأرض ليست مجرد وسيلة للإنتاج، والتربة ليست مادة يمكن استنزافها ثم تعويضها بسهولة، والغذاء ليس مجرد سلعة تخضع لمنطق السوق. عندما تتضرر التربة، يتضرر مستقبل الإنتاج نفسه، وعندما تتأثر جودة الغذاء، تصبح المسألة متعلقة مباشرة بصحة المجتمع. لذلك فإن أي سياسة زراعية ناجحة ينبغي أن تضع هذه العناصر في إطار واحد، وأن تقيس نجاحها بقدرتها على إنتاج غذاء كافٍ وآمن، والحفاظ في الوقت نفسه على الموارد الطبيعية.
ومن هنا يمكن القول إن تونس لا تحتاج إلى المفاضلة السطحية بين الزراعة القديمة والزراعة الحديثة، وإنما تحتاج إلى إعادة تعريف معنى الحداثة الزراعية. فالحداثة الحقيقية ليست في كثرة استعمال المواد الكيميائية، ولا في تحويل الحقل إلى وحدة إنتاج صناعية، وإنما في قدرة العلم على حماية الأرض وتحسين الإنتاج وضمان الغذاء السليم. وإذا كان الماضي قد قدم خبرات مهمة في التعامل مع الطبيعة، فإن الحاضر يملك أدوات علمية قادرة على تطوير تلك الخبرات بدل إلغائها.
إن مستقبل الزراعة التونسية ينبغي، في النهاية، أن يُبنى على المصالحة بين المعرفة المتوارثة والمعرفة العلمية الحديثة. فالتجربة التقليدية تحمل دروسًا لا ينبغي إهدارها، والتكنولوجيا الحديثة توفر إمكانات لا ينبغي رفضها، لكن المعيار الذي يجب أن يحكم الاختيار هو مصلحة الأرض والمواطن واستدامة الإنتاج. وبين الزراعة العضوية التقليدية، والزراعة الصناعية، والزراعة المائية، تظل المسألة الأساسية هي قدرة تونس على بناء نموذج زراعي خاص بها، لا يكون مجرد استجابة لضغوط الخارج أو الموضات التقنية، بل تعبيرًا عن حاجاتها الحقيقية وإمكاناتها وحق أجيالها القادمة في أرض سليمة وغذاء آمن.




