مناظرة السنة السادسة في تونس ووظيفة المدرسة نفسها: هل هي فضاء لبناء التعلم أم بوابة انتقاء مبكر؟

مناظرة السنة السادسة في تونس ووظيفة المدرسة نفسها: هل هي فضاء لبناء التعلم أم بوابة انتقاء مبكر؟

27 جوان 2026، 18:30

لم تعد مناظرة السنة السادسة في تونس مجرد محطة تقييم دراسي عادية في نهاية المرحلة الابتدائية، بل تحولت تدريجيًا إلى آلية فرز اجتماعي ونفسي تُثقل كاهل الطفل والأسرة معًا، وتعيد إنتاج سؤال جوهري حول وظيفة المدرسة نفسها: هل هي فضاء لبناء التعلم أم بوابة انتقاء مبكر؟

في الأصل، يُفترض أن يكون تقييم التلميذ في سن 11 أو 12 سنة عملية تشخيصية تساعد على تحسين التعلمات وتوجيه الدعم البيداغوجي. غير أن الواقع العملي، كما تكشفه التجربة التونسية والمغاربية عمومًا، منح هذه المناظرة وزنًا يتجاوز بكثير بعدها التربوي، لتصبح حدثًا مصيريًا تُبنى حوله رهانات عائلية تحت ضغط متزايد من الأولياء وأنا منهم.

هذا التحول لا يمكن فصله عن سياق أوسع. فحسب تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) ونتائج برنامج PISA، يعاني التلاميذ في العديد من الأنظمة التعليمية من مستويات مرتفعة من القلق المرتبط بالامتحانات، حيث يُصرّح ما يقارب 59% منهم بأنهم يشعرون بتوتر قبل الاختبارات، فيما يخشى 66% الرسوب (OECD, PISA 2015 Results – Students’ Well-Being, 2017). لكن الأخطر ليس وجود القلق في حد ذاته، بل تحويله إلى جزء بنيوي من التجربة المدرسية منذ سنواتها الأولى.

في الحالة التونسية، تُظهر التقارير المشتركة بين OECD واليونيسف أن الفجوة في التعلمات ما تزال كبيرة، وأن نسبة معتبرة من التلاميذ تعاني من صعوبات في فهم النصوص الأساسية، بما يعادل تأخرًا دراسيًا يُقدّر بعدة سنوات مقارنة بالمعايير الدولية (OECD/UNICEF, Education in Tunisia: Analysis and Policy Perspectives, 2020). كما تشير تقارير اليونيسف إلى استمرار تفاوتات كبيرة في جودة التعلم بين الجهات (UNICEF Tunisia, Education Country Brief, 2020).

وفي السياق الأوسع لإصلاح التعليم، تؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن الأنظمة التي تعتمد الامتحانات عالية الرهان في سن مبكرة تميل إلى رفع مستويات الضغط النفسي دون تحسين ملموس في جودة التعلمات، بل قد تؤدي إلى تضخيم الفوارق الاجتماعية داخل المدرسة (OECD, Testing and Assessment in Education: The Risks of High-Stakes Systems, 2013). كما تشير مراجعات حديثة في الأدبيات الطبية التربوية إلى أن التعرض المزمن لضغط أكاديمي مرتفع في سن المراهقة يرتبط بزيادة خطر الاكتئاب بنسبة تقارب 20% إلى 25% لاحقًا في الحياة (Rice et al., The Lancet Psychiatry, 2019).

أما في المقارنة الدولية، فتُظهر تجارب دول مثل فنلندا وإيطاليا انتقالًا واضحًا نحو إلغاء الامتحانات المصيرية في نهاية الابتدائي، واستبدالها بالتقييم المستمر القائم على ملاحظة تقدم التلميذ داخل القسم (OECD, Education Policy Outlook: Finland, 2020). في هذه النماذج، لا يُنظر إلى الطفل كمترشح لاجتياز اختبار، بل كمتعلم في مسار نمو تدريجي طويل الأمد.

في المقابل، ما تزال منطقية الامتحان الفاصل حاضرة في عدد من أنظمة التعليم المغاربية، بما فيها تونس والمغرب، وإن بدرجات متفاوتة. ففي المغرب يحتفظ الامتحان الإقليمي لنهاية الابتدائي بدور انتقالي، بينما تظل مناظرة السنة السادسة في تونس ذات تأثير اجتماعي وتربوي قوي، يعيد إنتاج الضغط الأسري.

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود التقييم، بل في فلسفته. فحين يتحول الامتحان من أداة دعم إلى أداة تصفية، تصبح المدرسة نفسها جزءًا من إنتاج الفوارق بدل تقليصها. وحين يُختزل مستقبل طفل في نتيجة اختبار واحد، نفقد جوهر العملية التربوية: التدرج، والتعلم، والحق في الخطأ، والنمو دون تهديد دائم بالفشل.

اليوم، لم يعد السؤال ترفًا نظريًا: هل نحتاج إلى مناظرة السنة السادسة بصيغتها الحالية؟ بل أصبح سؤالًا أعمق وأكثر إلحاحًا: هل ما زال من المقبول تربويًا وأخلاقيًا أن يُختزل مستقبل طفل في امتحان واحد، في وقت يؤكد فيه العالم أن جودة التعليم تُقاس بالمسار، لا باللحظة؟

إن إصلاح التعليم لا يبدأ من تغيير البرامج فقط، بل من إعادة تعريف معنى النجاح نفسه داخل المدرسة. وبين منطق الفرز المبكر ومنطق بناء التعلمات، تقف مناظرة السنة السادسة اليوم في قلب نقاش لم يعد يمكن تأجيله.

د. بسام عبيد

مواضيع ذات صلة