خفض الانبعاثات الكربونية والسيارات الكهربائية في تونس: الحقيقة والزيف…بقلم : محمد جمال الشرفي.

خفض الانبعاثات الكربونية والسيارات الكهربائية في تونس: الحقيقة والزيف…بقلم : محمد جمال الشرفي.

18 سبتمبر 2026، 20:45

منذ الأول من جانفي 2026، شهد سعر السيارة الكهربائية الجديدة في تونس فرقًا كبيرًا عما كان عليه في عام 2024. كثيرًا ما يُشار في الخطاب العام إلى “قانون خفض الانبعاثات الكربونية”. إلا أن الواقع القانوني أبسط من ذلك، إذ تُظهر أرقام التلوث صورةً أكثر تعقيدًا من مجرد الشعارات.
التصريح الأول: “تونس اعتمدت قانونًا لخفض الانبعاثات الكربونية”
هذا غير صحيح، على الأقل من حيث الصياغة. لا يوجد تشريع منفصل يحمل هذا الاسم. تندرج هذه الإجراءات ضمن قانون المالية لعام 2026، وتحديدًا في المادتين 45 و47، وقد تم توضيحها بشكلٍ أكبر في المذكرة المشتركة رقم 6 الصادرة عن المديرية العامة للدراسات والتشريعات الضريبية. تُفصّل هذه الوثيقة نظامًا ضريبيًا مُعاد تصميمه بالكامل، يُصنّف المركبات الآن إلى خمس فئات ضريبية متميزة، وهو ما يختلف عن النظام السابق.
المحتوى نفسه حقيقي تمامًا. تُعفى السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن بالكامل من الرسوم الجمركية وضريبة الاستهلاك، وتُخفض ضريبة القيمة المضافة من 19% إلى 7%، ويستفيد مالكوها من تخفيض بنسبة 50% في رسوم التسجيل والضريبة السنوية على الطرق. تخضع معدات محطات الشحن لضريبة جمركية بنسبة 10% وضريبة قيمة مضافة بنسبة 7% حتى 31 ديسمبر 2028، ويغطي صندوق التحول الطاقي ما يصل إلى 3 نقاط مئوية من هامش الفائدة على القروض الممنوحة لسيارات الأجرة ومدارس تعليم القيادة لشراء سيارة كهربائية. الهدف المعلن هو وجود 50,000 سيارة كهربائية على الطرق و5,000 محطة شحن بحلول عام 2030.
الادعاء الثاني: “السيارة الكهربائية لا تُلوث”
هذا غير صحيح، وخاصة في تونس. البطارية لا تُنتج الكهرباء، بل تستهلكها، والكهرباء في تونس تعتمد بشكل شبه كامل على الوقود الأحفوري. بحلول عام 2025، انخفضت حصة الطاقة النظيفة في مزيج توليد الكهرباء في تونس إلى 4.03%، مقارنةً بـ 4.4% في العام السابق، حيث تراجعت الطاقة الشمسية إلى 2.52% وطاقة الرياح إلى 1.5%، على الرغم من قدرة مركبة تبلغ 1.21 جيجاوات. يشهد هذا الاتجاه تحسناً، وإن لم يكن جذرياً: ففي الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، قفزت مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 61% لتصل إلى 9% من الإنتاج الوطني، بينما لا يزال الغاز الطبيعي يمثل 90.8%.
عملياً، يعني قيادة سيارة كهربائية في تونس استخدام الغاز في محطة توليد كهرباء تابعة لشركة الكهرباء والغاز التونسية (STEG) بدلاً من البنزين في محرك السيارة. يُعد هذا ميزة، لأن محطة توليد الطاقة ذات الدورة المركبة تحول الطاقة بكفاءة أعلى بكثير من محرك الاحتراق الداخلي، كما أن شبكة الكهرباء تفقد طاقة أقل في المناطق الحضرية، إلا أن هذه الخسارة أقل بكثير مما هو عليه الحال في أوروبا. للمقارنة، يُقدّر تحليل دورة الحياة الذي نشره المجلس الدولي لتغير المناخ (ICCT) عام 2025 انبعاثات سيارة كهربائية تُباع في الاتحاد الأوروبي بـ 63 غرامًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر، أي أقل بنسبة 73% من سيارة تعمل بالبنزين (235 غرامًا)، وتصل النسبة إلى 78% أقل عند استخدام الكهرباء المتجددة بالكامل. وتشير الدراسة نفسها إلى أن تصنيع سيارة كهربائية يُنتج انبعاثات كربونية تزيد بنحو 40% عن تصنيع سيارة تعمل بالبنزين، وهو عجز يُعوَّض بعد استخدام السيارة لمسافة تقارب 17,000 كيلومتر. وفي شبكة كهرباء ذات انبعاثات كربونية عالية، يتقلص هذا الفارق بشكل ملحوظ دون أن ينعكس، بل إن بعض الدراسات في مناطق ذات كهرباء ذات انبعاثات كربونية عالية تُخلص إلى أن الأثر البيئي الإجمالي مُتقارب، أو حتى سلبي. بعبارة أخرى، تعتمد الفائدة المناخية للسيارة الكهربائية التونسية بشكل أساسي على سرعة خفض انبعاثات الكربون في الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG)، وليس على صالات العرض.
العبارة الثالثة: “السيارات هي أكبر مُلوِّث”
هذا غير صحيح، على الرغم من أن لهذا القطاع تأثيرًا كبيرًا. بحسب الوكالة الوطنية لإدارة الطاقة (ANME)، يستهلك قطاع النقل حوالي 30% من إجمالي استهلاك الطاقة في تونس، ويُساهم بأكثر من ربع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وتشير تقديرات أخرى إلى نسب أعلى، حيث يستهلك النقل نحو 36% من إجمالي استهلاك الطاقة، ويُساهم بنسبة 26% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. ولتوضيح ذلك، يُمثل هذا القطاع ربع الانبعاثات الوطنية تقريبًا. أما النسبة المتبقية، وهي ثلاثة أرباع، فتأتي من توليد الكهرباء، والصناعة، وإنتاج الإسمنت، والزراعة، وإدارة النفايات. وبالتالي، فإن امتلاك أسطول من 50 ألف مركبة كهربائية بحلول عام 2030 لن يُساهم إلا في حل جزء ضئيل من المشكلة. وفي قطاع النقل نفسه، لا تزال السيارات الخاصة تُشكل الجزء الأكبر من الانبعاثات، إذ تُساهم بنحو ثلاثة أرباع انبعاثات هذا القطاع في أوروبا، وهي نسبة يُرجح أن تكون مماثلة في تونس نظرًا لمحدودية البنية التحتية للسكك الحديدية.
الرقم الحقيقي المُقلق: عمر أسطول المركبات
هنا يبرز التلوث الفعلي في مدننا. نصف المركبات في تونس يزيد عمرها عن 15 عاماً، وهو وضع يتفاقم بسبب استيراد السيارات المستعملة، مما يزيد من التلوث، وفقاً للغرفة الوطنية لتجار السيارات. ويتزايد عدد هذه المركبات باستمرار.تم بيع أكثر من 93 ألف مركبة في عام 2025، ما يمثل زيادة سنوية تقارب 17%، منها حوالي 29 ألف مركبة في السوق الموازية، بزيادة قدرها 30%. في المقابل، لا تزال المركبات الكهربائية هامشية، بسبب تكلفتها العالية ونقص البنية التحتية. ارتفعت حصة السوق غير الرسمية من 29% في عام 2024 إلى 32% في عام 2025. تُصدر مركبة ديزل قديمة غير مُفلترة جسيمات دقيقة وأكاسيد نيتروجين بكميات لا تستطيع عشر مركبات كهربائية جديدة تعويضها. لذا، فإن الإجراء الأكثر فعالية لمكافحة التلوث المحلي ليس تقديم حوافز للمركبات الكهربائية، بل سحب المركبات غير الصالحة للسير على الطرق وإجراء فحوصات إلزامية لها.
نقاط ضعف الإصلاح
يواجه النظام الضريبي الجديد تحديات تتعلق بتماسكه. تنص المادة 47 على معاقبة المركبات الهجينة التقليدية ذات محركات البنزين التي تتجاوز سعتها 1700 سم مكعب، بإخضاعها للرسوم الجمركية الكاملة. على سبيل المثال، يرتفع سعر نموذج عائلي من حوالي 168,000 دينار إلى أكثر من 200,000 دينار، مما يدفع المشترين بشكل مصطنع نحو السيارات الهجينة القابلة للشحن، على الرغم من محدودية البنية التحتية للشحن في تونس. هذه النقطة تقنية لكنها جوهرية: يتجاوز استهلاك الوقود الفعلي للسيارات الهجينة القابلة للشحن المملوكة للأفراد الأرقام الرسمية بثلاثة أضعاف، كما أن انبعاثات دورة حياة هذه السيارات أعلى بثلاثة أضعاف تقريبًا من انبعاثات السيارات الكهربائية في السوق الأوروبية. السيارة الهجينة القابلة للشحن التي لا تُشحن أبدًا، بسبب نقص محطات الشحن أو مواقف السيارات، تعود إلى كونها سيارة ثقيلة تعمل بمحرك احتراق داخلي مدعومة من الخزانة العامة.
وهناك جانب آخر نادرًا ما يُذكر: السيارات الكهربائية لا تقضي على جميع الجسيمات العالقة. تكون الانبعاثات غير العادمة المرتبطة بتآكل الإطارات والطرق أعلى قليلًا في السيارات الكهربائية الأثقل وزنًا، على الرغم من أن الكبح المتجدد يقلل من غبار الفرامل.
الخلاصة
صحيح: أطلقت تونس بالفعل، في عام 2026، أقوى حافز ضريبي في تاريخها للتنقل الكهربائي. خطأ: ليس هذا قانونًا لإزالة الكربون، والكهرباء ليست نظيفة في شبكة تعتمد بنسبة 91% على الغاز، والسيارات ليست المصدر الرئيسي للانبعاثات في البلاد. يمكن تلخيص المفارقة التونسية في جملة واحدة: طالما بقيت الكهرباء تعتمد على الوقود الأحفوري، ونصف أسطول المركبات يزيد عمره عن خمسة عشر عامًا، فإن إزالة الكربون من قطاع النقل ستتم في محطات توليد الطاقة وساحات خردة السيارات أكثر من معارض السيارات.

مواضيع ذات صلة