سيارة لكل عائلة تونسية: حلم اجتماعي أم وعد يصطدم بالواقع المالي؟ : محمد جمال الشرفي.

سيارة لكل عائلة تونسية: حلم اجتماعي أم وعد يصطدم بالواقع المالي؟ : محمد جمال الشرفي.

1 نوفمبر 2026، 20:45

تعود مسألة تمكين العائلات التونسية من اقتناء سيارة إلى الواجهة، في وقت تعيش فيه المالية العمومية ضغوطا كبيرة وتواجه الدولة حاجيات متزايدة للتمويل. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام مشروع اجتماعي قابل للتنفيذ فعلا، أم أمام إجراء قد يبدو جذابا سياسيا لكنه يصطدم بقدرة الدولة والمواطن على تحمّل كلفته؟
الأرقام الرسمية تكشف أن الإشكال المالي ليس افتراضيا. فقانون المالية لسنة 2026 ضبط مداخيل الدولة في حدود 52.560 مليار دينار مقابل نفقات تبلغ 63.575 مليار دينار، أي بفارق يقارب 11.015 مليار دينار. أما مشروع قانون المالية لسنة 2027 فيتوقع مداخيل بنحو 54.280 مليار دينار مقابل نفقات في حدود 68.895 مليار دينار، بما يعني عجزا يناهز 14.615 مليار دينار. كما أن حاجيات التمويل الإجمالية للخزينة تبلغ نحو 28.122 مليار دينار، في ظل اعتماد كبير على الاقتراض الداخلي والخارجي..
لكن قبل الحكم على فكرة «سيارة لكل عائلة»، يجب توضيح نقطة أساسية كثيرا ما يقع الخلط بشأنها. الإجراء الوارد في قانون المالية لا يعني أن الدولة ستشتري سيارة لكل عائلة أو تمول ثمنها من ميزانية الدولة. الفصل المتعلق بالسيارات يمنح امتيازا جبائيا مرة واحدة للعائلات التونسية المقيمة عند توريد سيارة أو اقتنائها من السوق المحلية، وفق شروط محددة، مع تخفيضات في بعض المعاليم والأداءات.
وهذا يعني أن المسألة ليست «سيارة مجانية لكل عائلة»، وإنما محاولة لتسهيل امتلاك السيارة من خلال تخفيف العبء الجبائي. وبالتالي فإن قدرة الدولة على تنفيذ هذا الإجراء لا تقاس فقط بحجم السيارات التي يمكن أن تدخل البلاد، وإنما أيضا بحجم الإيرادات الجبائية التي يمكن أن تتنازل عنها، وبمدى قدرة العائلات نفسها على دفع بقية تكلفة السيارة.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية. المواطن التونسي الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والنقل والغذاء والطاقة، قد يستفيد نظريا من التخفيضات الجبائية، لكنه يبقى مطالبا بتوفير ثمن السيارة أو الحصول على تمويل لشرائها. فالامتياز الجبائي لا يحول المواطن الذي لا يملك القدرة المالية إلى قادر تلقائيا على شراء سيارة.
أما بالنسبة إلى الدولة، فإنها لا تحتاج بالضرورة إلى تخصيص عشرات المليارات لشراء السيارات، لأن الإجراء في جوهره جبائي وليس برنامجا مباشرا لتمويل اقتناء السيارات. لكن ذلك لا يعني أنه بلا تكلفة على المالية العمومية. فأي تخفيض في المعاليم والأداءات يعني، من حيث المبدأ، مداخيل جبائية أقل مقارنة بما كان يمكن تحصيله دون الامتياز، ولذلك يجب تقييم الكلفة الحقيقية للإجراء وعدد المستفيدين منه وتأثيره على موارد الدولة.
السؤال السياسي الأهم، إذن، ليس هل تستطيع الدولة أن «تعطي سيارة لكل عائلة»، لأن النص لا ينص على ذلك أصلا، وإنما هل تستطيع الدولة أن تقدم امتيازا جبائيا واسعا في وقت تحتاج فيه إلى كل مواردها تقريبا لتمويل النفقات وسداد الديون وتغطية العجز؟
وفي المقابل، هل يستطيع المواطن فعلا الاستفادة من هذا الامتياز؟ فإذا كانت السيارة متاحة بسعر أقل بسبب التخفيضات الجبائية، لكن دخل الأسرة لا يسمح لها بشرائها أو بتحمل أقساط التمويل والتأمين والوقود والصيانة، فإن الامتياز يبقى محدود الأثر اجتماعيا.
من هنا يصبح من المشروع طرح سؤال آخر: هل الهدف الحقيقي من الإجراء هو تمكين أوسع عدد ممكن من العائلات من امتلاك سيارة، أم تخفيف كلفة اقتناء السيارة بالنسبة إلى فئة قادرة أصلا على الشراء؟ الفرق بين الهدفين كبير، ولا يمكن تحديده بالشعارات، وإنما بالأرقام وشروط الانتفاع وعدد المستفيدين المتوقعين والكلفة الجبائية الفعلية.
أما وصف الإجراء بأنه «رذاذ على العيون» أو وسيلة لإلهاء الشعب، فهو استنتاج سياسي لا يمكن إثباته بمجرد وجود الإجراء. يمكن انتقاد السياسة وطرح علامات استفهام حول أولوياتها، لكن الحكم على نوايا أصحاب القرار يحتاج إلى أدلة، لا إلى الانطباع. وفي المقابل، من حق المواطن أن يطالب بتفسير واضح حول الكلفة الحقيقية للإجراء، وعدد العائلات التي ستنتفع به، ومصدر تمويل بقية العملية، ومدى تأثيره على المالية العمومية وعلى سوق السيارات وعلى العملة الصعبة.
المفارقة أن عنوان «سيارة لكل عائلة» يحمل قوة سياسية واجتماعية كبيرة، لكنه قد يكون مضللا إذا فهمه المواطن باعتباره التزاما من الدولة بتوفير سيارة لكل أسرة. الواقع القانوني والمالي أكثر تعقيدا بكثير. فالدولة تمنح امتيازا جبائيا، بينما يبقى الجزء الأكبر من كلفة السيارة على عاتق المواطن.
وفي بلد تعاني فيه المالية العمومية من عجز يقدر في مشروع ميزانية 2027 بنحو 14.615 مليار دينار، مع حاجيات تمويل للخزينة تناهز 28.122 مليار دينار، يصبح من الطبيعي أن يطالب المواطن قبل الاحتفال بأي وعد اجتماعي بالإجابة عن سؤال بسيط: من سيدفع الفاتورة؟.
هذه هي المسألة التي تستحق النقاش الحقيقي. ليس هل السيارة حلم التونسي، فهذا أمر واضح، وإنما هل يمتلك التونسي اليوم القدرة الاقتصادية على تحقيق هذا الحلم، وهل تستطيع الدولة أن تمنحه الأدوات الضرورية لذلك دون أن تزيد الضغوط على ميزانيتها أو على احتياطي العملة أو على المديونية؟
وفي النهاية، فإن «سيارة لكل عائلة» يمكن أن تكون خطوة اجتماعية مفيدة إذا كانت جزءا من سياسة متكاملة تراعي القدرة الشرائية، وأسعار السيارات، والتمويل، والجباية، والنقل العمومي، والعملة الصعبة، وتنافسية السوق. أما إذا اختزلت في عنوان جذاب دون دراسة دقيقة للكلفة والنتائج، فإنها قد تتحول من حلم اجتماعي إلى مجرد شعار سياسي.
والسؤال الذي يبقى مطروحا على الدولة ليس «هل نريد أن يمتلك التونسي سيارة؟»، وإنما «كيف سنجعل ذلك ممكنا، ومن سيدفع كلفته، وكم سيكلف الدولة والمواطن، ومن سيكون المستفيد الحقيقي؟».
هذه الأسئلة هي التي تحتاج إلى جواب مقنع بالأرقام، لا بالشعارات.

مواضيع ذات صلة