إذا أردت أن تعرف العبيد، اذكر أسيادهم بسوء….بقلم : محمد جمال الشرفي
تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد جملة ساخرة أو استفزازية، لكنها في الحقيقة تحمل معنى أعمق يتعلق بعلاقة الإنسان بالسلطة، وبالطريقة التي يمكن أن يتحول بها الولاء من موقف واعٍ إلى نوع من التبعية النفسية. والمقصود بالعبيد هنا، إذا تجاوزنا المعنى الحرفي للعبودية، ليس الأشخاص الذين عاشوا تاريخيًا في نظام الرق، وإنما الإنسان الذي يفقد قدرته على التفكير المستقل، فيصبح دفاعه عن شخص أو جماعة أو سلطة أقرب إلى الدفاع عن ذاته.
الفكرة الأساسية في العبارة تقوم على اختبار بسيط: إذا كان شخص ما شديد الارتباط بشخص آخر، فإن انتقاد هذا الأخير قد يكشف طبيعة العلاقة بينهما. فإذا كان الرد على النقد نقاشًا عقلانيًا، فهذا يعني أن العلاقة يمكن أن تكون قائمة على الاقتناع أو المصالح أو الاحترام. أما إذا تحول النقد فورًا إلى غضب شخصي، أو شتائم، أو تخوين، أو تهديد، أو محاولة لإسكات المنتقد، فإننا نكون أمام حالة مختلفة؛ حالة يصبح فيها الشخص المدافع عن السلطة وكأنه يعتبر المساس بها مساسًا بكرامته وهويته.
وهنا تكمن قوة العبارة، ولكن أيضًا خطورتها. قوتها أنها تلتقط ظاهرة اجتماعية حقيقية: البشر لا يدافعون دائمًا عن أفكارهم بطريقة عقلانية، بل قد يدافعون عن الأشخاص الذين يمثلون بالنسبة إليهم مصدرًا للأمان أو الانتماء أو المكانة. وعندما يصبح الانتماء أهم من الحقيقة، يتحول الاختلاف في الرأي إلى تهديد للهوية.
لكن خطورتها أنها تستخدم كلمة «العبيد» بطريقة قد تكون مهينة وتختزل علاقات اجتماعية وسياسية معقدة في تفسير واحد. فليس كل شخص يدافع عن قائد أو مسؤول أو حزب أو مؤسسة «عبدًا» بالمعنى النفسي أو السياسي. قد يدافع الإنسان عن شخص لأنه يعتقد فعلًا أن الانتقاد الموجه إليه غير عادل، أو لأنه يمتلك معلومات مختلفة، أو لأن لديه مصالح مرتبطة به. لذلك لا يمكن استخدام العبارة كقاعدة علمية للحكم على الناس، وإنما يمكن التعامل معها كاستعارة نقدية لسلوك التبعية.
وعندما ننقل هذه الفكرة إلى الواقع المعاصر، نجد أنها لا ترتبط بالسياسة وحدها. يمكن أن تظهر في الحياة الحزبية، وفي المؤسسات، وفي العلاقات المهنية، وفي الجماعات الدينية والفكرية، وحتى في الحياة الرقمية. ففي مواقع التواصل الاجتماعي، كثيرًا ما يتحول الأشخاص إلى جماعات من المؤيدين والمدافعين، بحيث يصبح نقد الشخصية أو المجموعة المفضلة وكأنه اعتداء على أعضاء الجماعة أنفسهم. وهنا تتراجع مساحة التفكير النقدي ويزداد منطق «نحن» و«هم».
الأكثر خطورة يحدث عندما تصبح السلطة قادرة على إنتاج صورة عن نفسها تجعل أتباعها يرون نجاحها باعتباره نجاحًا شخصيًا لهم، وفشلها باعتباره إهانة لهم. في هذه الحالة، يمكن أن يصبح الفرد مستعدًا لتبرير أخطاء السلطة بدل مساءلتها. وقد يقبل ما كان سيرفضه لو صدر عن خصم، لا لأن المبدأ تغير، وإنما لأن الشخص الذي ارتكب الفعل أصبح جزءًا من هويته السياسية أو الاجتماعية.
وهذا يفسر ظاهرة نراها في مجتمعات مختلفة: قد يرفض الإنسان الكذب عندما يصدر عن خصمه، ثم يجد له عشرات التبريرات عندما يصدر عن الشخص الذي يؤيده. وقد يطالب بالعدالة عندما يتعرض لها أحد أفراد جماعته، لكنه يعتبر الأمر نفسه طبيعيًا عندما يقع على خصومه. المشكلة هنا ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف جزء طبيعي من المجتمع، وإنما في سقوط معيار واحد للحكم على الأفعال.
من هذه الزاوية، يمكن إعادة صياغة معنى العبارة بصورة أكثر دقة: إذا أردت أن تعرف درجة استقلال الإنسان، لا تنظر فقط إلى ما يقوله عندما توافقه، بل انظر إلى رد فعله عندما تنتقد الشخص أو الفكرة التي يرتبط بها.
فالإنسان المستقل فكريًا يستطيع أن يقول: «أنا أؤيد هذا الشخص، لكنني أرفض هذا التصرف». يستطيع أن يحب مؤسسة أو ينتمي إلى جماعة، وفي الوقت نفسه يعترف بأخطائها. يستطيع أن يدافع عن موقفه بالحجة بدل الدفاع عن الشخص بأي ثمن. أما عندما يصبح الولاء أقوى من المبدأ، فإن النقد يتحول إلى عداوة، ويصبح الاعتراف بالخطأ نوعًا من الخيانة.
ومع ذلك، فإن الواقع أكثر تعقيدًا من العبارة. فالتبعية لا تنتج دائمًا عن ضعف الشخصية. أحيانًا يصنعها الخوف، وأحيانًا الحاجة الاقتصادية، وأحيانًا ضغط المجتمع، وأحيانًا الدعاية المتكررة، وأحيانًا الاستقطاب الذي يجعل الفرد يشعر بأنه محاصر بين معسكرين لا يسمحان له بالحياد. لذلك فإن فهم ظاهرة التبعية يحتاج إلى النظر في الظروف التي أنتجتها، لا إلى إهانة الأشخاص الذين وقعوا فيها.
وفي المجتمعات الحديثة، لم تعد العبودية السياسية أو الاجتماعية بالضرورة تأخذ شكل السلاسل والقهر المباشر. قد تظهر في صورة اعتماد نفسي على زعيم، أو تعلق مرضي بجماعة، أو خوف من مخالفة رأي الأغلبية، أو تبعية اقتصادية تجعل الإنسان غير قادر على قول ما يعتقده. ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: «من هو السيد ومن هو العبد؟» وإنما: «إلى أي درجة يستطيع الإنسان أن يفكر ويختلف ويقول لا؟»
الحرية الحقيقية لا تظهر عندما نوافق من نحب، وإنما عندما نستطيع مخالفته دون خوف. والاستقلال الفكري لا يعني أن يعيش الإنسان بلا انتماء، بل يعني أن يكون انتماؤه أقل من عقله، وأن تكون الحقيقة بالنسبة إليه أهم من الشخص الذي يحب أو الجماعة التي ينتمي إليها.
لذلك يمكن قراءة العبارة باعتبارها دعوة إلى اختبار الولاء لا إلى إهانة الناس. اسأل الإنسان عن موقفه من أخطاء من يؤيده، وعن قدرته على الاعتراف بخطأ جماعته، وعن استعداده لسماع النقد الموجه إلى من يثق بهم. عندها قد نكتشف أن المشكلة ليست في وجود «أسياد» بالمعنى الحرفي، بل في استعداد الإنسان أحيانًا لأن يمنح شخصًا آخر سلطة على ضميره وعقله.
وهنا تصبح العبارة أكثر ارتباطًا بواقعنا المعاصر: ليست العبودية دائمًا أن يأمرك شخص بما تفعل، وإنما قد تكون أخطر عندما تجعلك تدافع عن من يأمرك حتى عندما تعرف أنه مخطئ.




