قطاع الدواجن في تونس أمام أزمة مرتقبة: تحذيرات من نقص يصل إلى 40% قبل رمضان…بقلم : محمد جمال الشرفي.
تتجه منظومة إنتاج الدواجن في تونس نحو مرحلة صعبة خلال الأشهر المقبلة، في ظل تحذيرات من تسجيل نقص قد يصل إلى 40 بالمائة في لحوم الدجاج خلال شهري نوفمبر وديسمبر، نتيجة تداخل جملة من العوامل المناخية والإنتاجية والتنظيمية التي أثرت في نسق الإنتاج وأضعفت قدرة عدد من المربين على مواصلة النشاط.
وتشير المعطيات المتداولة داخل القطاع إلى أن موجة الحر التي شهدتها تونس خلال صيف هذا العام، إلى جانب الاضطرابات المسجلة في التزويد بالكهرباء وانقطاعات التيار، تسببت في خسائر لدى عدد من المربين ونفوق كميات من الدواجن، وهو ما انعكس مباشرة على الدورة الإنتاجية. كما يواجه القطاع صعوبات أخرى مرتبطة بالتزويد بالبيض الموجه للتفقيس وبالكتاكيت، فضلاً عن مشاكل تتعلق بقطيع الأمهات الذي لم يعد يوفر النسق المطلوب من الإنتاج.
ولا تقتصر الصعوبات على الجانب البيولوجي والإنتاجي، إذ يواجه القطاع أيضاً إشكاليات مرتبطة بالكلفة وبخروج عدد من المربين من السوق، إضافة إلى صعوبات في توزيع حصص الإنتاج والحصص المخصصة للاستيراد. ويرى مهنيون أن طريقة توزيع الكوتا لم تكن دائماً شفافة أو متوازنة، وأن استفادة عدد محدود من الشركات الكبرى منها قد تؤدي إلى مزيد من الضغط على صغار ومتوسطي المربين.
وفي المقابل، يتوقع أن يرتفع الطلب على الدجاج خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مع ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء ولحوم الضأن. فمع بلوغ أسعار لحم العلوش مستويات مرتفعة، ومع دخول البلاد فترة الخريف التي تشهد عادة تغيراً في أنماط استهلاك اللحوم، يصبح الدجاج بالنسبة إلى شريحة واسعة من المستهلكين الخيار الأقل كلفة والأكثر توفراً.
كما أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف ساهم في تغيير سلوك الاستهلاك، إذ أدى اشتداد الحر إلى ارتفاع الطلب على أجهزة التكييف واستهلاك الكهرباء، في وقت شهد فيه قطاع تربية الدواجن تأثيرات مباشرة للحرارة وانقطاعات التيار الكهربائي. ويرى المهنيون أن هذه العوامل كان من الممكن توقع انعكاساتها على السوق، خاصة أن العلاقة بين ارتفاع الطلب وتراجع الإنتاج واضحة، بما ينذر بأزمة تموين إذا لم يقع التدخل في الوقت المناسب.
ويؤكد أصحاب المهنة أن المشكلة لا ترتبط فقط بالعوامل الظرفية، بل تكشف أيضاً عن اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات. فإلى جانب المشاكل المرتبطة بالإنتاج، يواجه القطاع تحديات في مجالات البحث العلمي والتطوير وتحسين المردودية، فضلاً عن الصعوبات التي تعترض المربين الذين تكبدوا خسائر خلال الصيف.
ويعتبر المهنيون أن السلطات مطالبة بالتحرك قبل وقوع الأزمة، وليس انتظار ظهور النقص في السوق ثم البحث عن المسؤولين عنه. فالأزمة، وفق هذا الطرح، يمكن التنبؤ بها منذ الآن بالنظر إلى المؤشرات المتوفرة حول تراجع الإنتاج وارتفاع الطلب. وبالتالي، فإن أي تدخل حكومي بعد شهرين أو ثلاثة أشهر لتفسير الأزمة بوجود مضاربين أو محتكرين أو متدخلين يتعمدون إخفاء المنتجات سيكون، بحسبهم، تدخلاً متأخراً.
وتتجاوز المخاوف قطاع الدواجن لتشمل منظومة التزويد بالعديد من المواد الأساسية، في ظل تكرار أزمات التزويد من سنة إلى أخرى، سواء تعلق الأمر بالماء أو الدجاج أو اللحوم أو الفرينة أو السميد وغيرها من المواد. ويعتبر المهنيون أن معالجة هذه الأزمات بعد اندلاعها، عبر تكثيف المراقبة الأمنية ومرافقة السلع إلى نقاط البيع، لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة الأسباب الحقيقية للمشكلة.
وفي هذا السياق، تتعالى الدعوات إلى التدخل منذ الآن لتوفير الكميات اللازمة من الدجاج، وإذا اقتضى الأمر فتح حصص إضافية للاستيراد. غير أن أي قرار بالاستيراد، وفق المهنيين، يجب أن يأخذ في الاعتبار الآجال الزمنية اللازمة لوصول المنتجات إلى تونس، والتي قد تناهز ستين يوماً في بعض الحالات، بما يجعل التأخر في اتخاذ القرار عاملاً إضافياً قد يعمق الأزمة.
كما يطالب المهنيون بأن يتم توزيع حصص الاستيراد بطريقة أكثر شفافية وعدالة، بعيداً عن آليات قد تمنح الأفضلية لعدد محدود من الشركات الكبرى، وذلك بما يضمن تكافؤ الفرص ويحافظ على التوازن داخل السوق. فالهدف، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن يكون فقط توفير المنتج للمستهلك، وإنما أيضاً حماية النسيج الإنتاجي المحلي ومنع خروج مزيد من المربين من القطاع.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات مع اقتراب شهر رمضان، الذي يأتي في وقت مبكر نسبياً، والذي يشهد عادة ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على الدجاج والبيض وغيرها من المواد الغذائية. ولذلك، فإن دخول الشهر الكريم في ظل مسالك إنتاج وتوزيع تعاني أصلاً من الاضطراب قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على الأسعار وعلى قدرة السوق على توفير الكميات المطلوبة.
ويرى المهنيون أن الحل العاجل يجب أن يشمل التدخل في منظومة تربية الدجاج، وخاصة ملف قطيع الأمهات، إلى جانب إيجاد حلول للمربين الذين تكبدوا خسائر بسبب انقطاعات الكهرباء وموجة الحر التي شهدها شهرا جويلية وأوت. فاستعادة نسق الإنتاج تتطلب، وفق هذا الطرح، معالجة أسباب التراجع وليس الاكتفاء بالتدخل عند وصول الأزمة إلى المستهلك.
وفي المقابل، ينتقد عدد من الفاعلين في القطاع سياسة تثبيت الأسعار، معتبرين أنها أثبتت، وفق تجربتهم، محدودية فاعليتها في معالجة الاختلالات بين العرض والطلب. ويذهب هذا الطرح إلى أن فرض أسعار دنيا أو قصوى على المنتجات النهائية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يجد المستهلك نفسه أمام أسعار تفوق قدرته الشرائية، في حين لا يحقق المنتج هامش ربح يسمح له بمواصلة نشاطه وتغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة.
ويعتبر منتقدو سياسة التسعير أن ضبط الأسعار لا يعالج أصل المشكلة عندما تكون كلفة الإنتاج مرتفعة أو عندما يتراجع العرض. فبدلاً من معالجة مسالك الإنتاج والتزويد والتوزيع، يمكن أن يؤدي التسعير الإداري إلى زيادة الاختلال بين السعر الرسمي والسعر الفعلي في السوق، بما قد يشجع على اضطراب التزويد ويضر بالمنتج والمستهلك في الوقت نفسه.
وبناء على ذلك، يتجه النداء داخل القطاع نحو ضرورة اعتماد مقاربة استباقية تقوم على معالجة الاختلالات الهيكلية والظرفية في الإنتاج، وضمان التزويد المنتظم، ومراجعة آليات توزيع حصص الاستيراد، مع الابتعاد عن الحلول الظرفية التي لا تعالج جذور الأزمة.
فالمعادلة التي يطرحها المهنيون تبدو واضحة: إذا كان الإنتاج يتجه نحو الانخفاض في وقت يتوقع فيه ارتفاع الطلب، فإن السوق ستجد نفسها أمام فجوة لا يمكن سدها بسهولة عند وقوعها. ومن ثم، فإن التدخل اليوم، قبل أشهر من الفترة التي يُتوقع أن تشهد ضغطاً أكبر، قد يكون أقل كلفة وفاعلية من انتظار الأزمة ثم محاولة احتوائها بعد وقوعها.
وبذلك، لا تبدو أزمة الدواجن المرتقبة مجرد أزمة أسعار، وإنما اختباراً لقدرة الدولة على استباق اضطرابات السوق ومعالجة مشاكل منظومة الإنتاج قبل أن تتحول إلى أزمة تموين واسعة. فالخيار، وفق المهنيين، لم يعد بين التدخل أو عدم التدخل، وإنما بين تدخل مبكر يعالج أسباب الأزمة وتدخل متأخر يكتفي بإدارة نتائجها.




