صيف 2026 و درس المناخ….الصادق شعبان
ما عشناه هذا الصيف ليس حدثا عابرا يُنسى مع أول نسمة خريف…
ما عشناه هو إنذار … وكل إنذار لا يُترجم إلى قرار هو إنذار ضائع…
لقد سجّلت القيروان 49,7 درجة، وهو أعلى رقم في تاريخ تونس …
لكن الأخطر ليس الرقم القياسي بل ما رافقه: حرارة لا تنخفض ليلا وهذه على ما يبدو السمة الحاسمة… فحين لا يستريح الجسد ليلا، وحين لا تبرد المدن بعد غروب الشمس، فنحن لسنا أمام موجة حر عابرة، بل أمام تحوّل في طبيعة المناخ ذاته نحو نمط استوائي…
هذا ليس تشاؤما، بل قراءة لما تقوله المحطات المناخية نفسها…
الدراسات موجودة، والمطلوب أبعد من الدراسة …
لسنا في موقع من يكتشف المشكلة ، فالمعهد الوطني للرصد الجوي أنجز إسقاطات مناخية دقيقة إلى آفاق 2050 و2100 ، ووزارة البيئة نشرت تقييماتها ، والبنك الدولي أصدر تقريره الوطني حول المناخ والتنمية، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة يتابع الساحل التونسي عن قرب…
المعطيات متوفرة، والاتجاه معروف: – ارتفاع في الحرارة يتراوح بين 1,5 و2,4 درجة بحلول 2050، وقد يبلغ 5,2 درجة بحلول نهاية القرن…
- تراجع في التساقطات يصل إلى 27% في السيناريو الأشد…
- ارتفاع في منسوب مياه البحر بين 20 و40 سنتيمترا بحلول 2050، وقد يتضاعف بحلول 2100…
المشكلة إذن ليست في غياب الدراسة، بل في المتابعة، والحوكمة عموما التي تُترجم الدراسة إلى سياسات و السياسات الى قرارات و ما يتطلب من تنسيق و متابعة و تقييم .
و يبدو ان تقارير رسمية لتونس افادت أن ظواهر كانت متوقعة لآفاق 2050-2100 — كارتفاع منسوب البحر وشدة الأمواج — ظهرت فعليا سنة 2026… أي أننا نسير في نسق أسرع من التوقعات …
ما علينا ايجاده إن كان غير موجود هو جهاز دائم يتابع الفجوة بين ما تتوقعه الدراسات وما يحدث فعليا على الأرض، وينبّه جهات القرار قبل فوات الأوان… “هيئة وطنية للمتابعة المناخية” مثلا ، تجمع تحت سقف واحد المعهد الوطني للرصد الجوي، وزارة البيئة، وزارة الفلاحة، والوكالة الوطنية لحماية الشريط الساحلي، و تتولى التقييم الدوري و نشرات منشورة، لا تقريرا سنويا يُحفظ في الأدراج…
هناك خمس سياسات قطاعية لا تحتمل التأجيل و تحتاج لإعادة النظر : - الطاقة ، و لنا خبرات كبيرة ، وهي سياسة حساسة و مكلفة و لذا تحتاج الى انتقاء افضل الخيارات و التحسب للعوامل الجيوسياسية و الجيواقتصادية ، و النظر بجدية اكبر في تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة…، فالانقطاعات المتكررة صيف 2026 كشفت هشاشة المنظومة أمام ذروة الطلب و مخاطر المستقبل و هول الكلفة و الانعكاسات السياسية …
- المياه ، و خبراؤنا يضرب بهم المثل ، من لسعد بن عصمان و عامر الحرشاني رحمهما الله والمدرسة التي خلّفوها ، منذلك مراجعة حصص الاستغلال الفلاحي في المناطق الأكثر عرضة للجفاف، وتعميم إعادة استخدام المياه المعالجة…
- الفلاحة ، و لنا خبرات كبيرة ، من ذلك التوجه نحو أصناف زراعية تقاوم الجفاف، ودعم المناطق الأشد تضررا…
- البيئة ، مثل “الانسحاب المتدرج ” من المناطق الساحلية الأكثر هشاشة كخيار عادي لا استثنائي، ومراجعة مسافات الأمان في البناء الساحلي…
- العمران والبناء من ذلك فرض معايير العمارة البيئية والمناخية في التراخيص الجديدة، وإدماج المواجل التقليدية وحلول جمع مياه الأمطار ضمن كراسات الشروط…
- – التخصصات التعليمية الجديدة والبحث العلمي ، من ذلك تطوير الشعب الأكاديمية في مجالات التكيّف المناخي والموارد المائية، والهندسة الساحلية، والعمارة البيئية …
فالعمارة التونسية الحديثة مثلا تخلّت في غالبها عن الحلول المناخية التي طوّرتها الأجيال السابقة عبر قرون من التكيّف مع الطقس الصحراوي…
فالواجهات الزجاجية المفتوحة غياب العزل الحراري، ضعف التهوية الطبيعية، كلها اختيارات عمرانية ضاعفت الحاجة إلى التبريد الآلي في لحظة تشهد فيها الطاقة أصلا ضغطا غير مسبوق.
في المقابل، تختزن العمارة التقليدية التونسية — من بيوت الجنوب المحفورة إلى الفناء الداخلي (الوسط او الحوش) في المدن العتيقة منظومة كاملة من الحلول: جدران سميكة، فتحات محسوبة، ظل دائم، وأهمّ من ذلك: المواجل التقليدية لتجميع مياه الأمطار. هذه المنشآت، التي عرفتها الجهات الجافة منذ قرون، كانت إجابة محلية ذكية عن ندرة الماء قبل أن تصبح “أزمة مناخية”. إحياؤها ليس حنينا إلى الماضي، بل استعادة معرفة هندسية ثبتت نجاعتها و قد تكون صالحة للعقود القادمة التي فيها الحرّ أشد و الماء أكثر ندرة.
و لا بد ان أشير الى ان الدولة لن تقدر على مجابهة هذا الانتقال الكبير دون تشجيع الخواص و الشراكة بين القطاعين العام و الخاص و الشراكة الدولية …
الصيف القادم قريب …
والسؤال الحقيقي : متى ننتظم لمستقبل صعب ؟




