قنوات الحوار اللندنية والجزيرة القطرية وفرانس 24 عناوين للفتنة الداخلية …ياسين فرحاتي
أكتب هنا، بكل موضوعية و لكن بانحياز تام عن وعي و قناعة للصف الوطني الذي يجب أن يكون مرصوصا و حفاضا على مكاسبنا و درءا لكل فتنة داخلية و في البال دوما ما قاله لي أحد الموظفين السابقين بإذاعة صفاقس العريقة من أبناء سيدي بوزيد العزيزة، ذات يوم لما كنت طالبا في كلية العلوم، عن الرئيس المثقف الحبيب بورقيبة أنه لا يخشى على تونس إلا من أبنائها أي من غدر و خيانة البعض منهم. و ها نحن اليوم، نرى عين الحقيقة و قد صدق كلامه عندما نرى ذواتا بشرية معروفة جدا تحرض على بلدها و تستنجد بالأجنبي و تدعو جهارا و علنا و صراحة و دونما أدنى حياء إلى الفتنة و على نفس المنابر الإعلامية مثل قناة الحوار في لندن التي يديرها الإعلامي الإسلامي عزام التميمي و برنامجه الخاص و الذي لا يكاد يمر اسبوع إلا و يستضيف فيه صهر راشد الغنوشي رفيق عبد السلام بحيث صار عنصرا قارا وظيفته الأساسية تشويه سمعة تونس و التهجم على رئيسها و سأعود إليه في ثنايا هذا المقال و كذلك برنامج الرأي الآخر الذي يقدمه إعلامي تونسي آخر يدعى صالح و منذ سنين أعرفه متبنيا لخطاب الغنوشي و مدافعا عنه و دون هوادة.
و مثلما كتبت في مقالة سابقة عن قناة الجزيرة التي تحركها كالدمى السياسة القطرية الداخلية و الدبلوماسية الخارجية بحسب ضرورات الواقع بحركة أشبه بمعزوفة الأكورديون و تقود القافلة و تحاول بالسرعة القصوى تأجيج الأوضاع و كلتاهما تتحدثان بنفس اللهجة و النبرة و تكرران نفس الأسطوانة عن اقتراب اندلاع ثورة جديدة في تونس تنتظر التونسيين مثلما يبشر بذلك عبد السلام و يتحدث نيابة عن الشعب التونسي و كأنه قد فوضه لأداء هذه المهمة القذرة بينما هو قد لفظه في ساعة توحدت فيه كلمته ذات مساء من يوم 25 جويلية من عام 2021. إنه ” العفن الإعلامي ” و البروباغاندا المغرضة و تزييف الحقائق. و لو كان على حق و بريء لما فر إلى الخارج .لماذا بقي المحامي السابق و نائب رئيس حركة النهضة عبد الفتاح مورو في تونس و لم توجه ضده أي تهمة أو إدانة لماذا هو الآن يعيش بين أسرته و أبناء بلده حرا طليقا و معززا مكرما؟! و لماذا اختار اعتزال العمل السياسي درءا لكل فتنة و هو الذي تخلوا عنه في ساعة العسر و الكرب و الحصار في السابق زمن حكم التجمع الدستوري الديموقراطي عندما بقي وحيدا بينما هم ينعمون و يتفسحون ما بين لندن و الدوحة.
إن أنصار النهضة يتلونون كالحرباء و قد ألصقت بهم من ناحية السلوك الديني و التصرف السياسي أبشع و أسوء الصفات و النعوت من الشعب التونسي كالمتاجرة بالدين و هم من اشتروا ذمم الفاسدين و المنحرفين أخلاقيا بالأموال كرشوة خلال الانتخابات و النفاق السياسي خصوصا و أنهم قد وضعوا أيديهم مع أشباه ساسة فاسدين كيوسف الشاهد الفار من العدالة و المقيم بفرنسا و أمثاله و تقاسموا الغنيمة و الكعكة!.
إذا كانوا يدعون نظافة اليد فعلا و هم على العكس من الشخص الذين يدسون له الدسائس و المكائد و أقصد بذلك الرئيس قيس سعيد و هي النقطة الجوهرية و المركزية في أدبيات حكمه و هو ما جعلت أطيافا و شرائح كثيرة من التونسيين تثق فيه ثقة عمياء و تتمسك به رغم ادعاءات خصومه اللدودين و أعداءه.
إن الثورة في مفهومها العلمي الماركسي هي عملية ديناميكية تراكمية نتيجة تغيير يتلوه تغيير. و لا يمكن للثورة أن تحدث ما لم يتم توافق و إجماع معرفي و فكري و اجتماعي و سياسي و وجداني لدى جماعة كبيرة معينة. فحركة النهضة لا ترى الحقيقة جلية و هي تسبح في بحر لجي من الأوهام و التيه و عدم الفهم و حالة من عدم اليقين !. فالحقيقة المرة التي يجب أن يسمعوها هي كلامهم الذي لا يعيره نصف التونسيين على الأقل اهتماما و لا بالا لأنهم بكل بساطة اختبروهم لعشر سنوات و هم أصلا لا علاقة لهم بتفاصيل و بدايات و كواليس ثورة 2011، فهم قد امتطوا قطار الأحداث و افتكوها من الشباب هم و أشباههم مثل المنصف المزروقي الذي كان همه الوحيد أن يكون رئيسا بأي ثمن و بأي طريقة!. فصفوة القول، كفاهم حديثا و هذيانا عن معجم الثورة !. و عن الجدلية المادية و الفكر الماركسي، فلقد دخلت ذات مرة مكتب مدير جريدة الرأي العام المقربة جدا وقتذاك من حركة النهضة و قد وضع فوق الطاولة كتاب ” رأس المال ” لماركس، و مناسبة مجيئي إليه هي محاولة نشر مقال صحفي عن شئؤن البلاد و قد وعدني المدير و هو محمد الحمروني بنشره و أصر على ذلك واثقا من كلامه و لكنه كذب في الأخير و لأكثر من مرة رغم أنني لم أجبره على ذلك! : فالسياسيون منهم لا يعرفون للحقيقة سبيلا و لا للصدق مثالا مثل صهر الغنوشي عبد السلام لما كان يدير مركز الدراسات و الأبحاث السياسية و الإستراتيجية لم يكن سوى بوق إعلامي لحزبه و لم نر أي إنتاج فكري جيد و مفيد انتفع منه التونسيون معرفيا و ثقافيا و غير من وضعهم نحو الأفضل.
كانوا يدعون المثالية تقريبا في كل شيء و صفاء الروح و نقاء السريرة و فهمهم الجيد و الشفاف للواقع التونسي و حاجيات المواطن و انحيازهم للمعدومين و الفقراء و البؤساء بناء على أنهم يستمدون أفكارهم و مبادئهم من معلمهم و أستاذهم و ملهمهم راشد الغنوشي و لكنهم و حسب علمي فقد كانوا مولعين بالاقتداء فكريا بأستاذ الحضارة ” مالك بن نبي ” من خلال ما سمعت على شاشة التلفزة ذات مرة، عن عبد الفتاح مورو لذلك ذكرت العفن كاقتباس من كتابه ” العفن ” و لكن أين هم من فكره؟! فهو قد عاش طالبا للعلم و المعرفة و مناضلا و زاهدا في الدنيا ، عاش فقيرا و توفي رحمه الله تعالى فقيرا أيضا، بينما هم قد كدسوا الأموال القادمة من الخارج التي أغدقتها عليهم دول مثل قطر و تركيا خدمة لهم و لمآرب لهم كائتلاف إسلامي فبدل أن تكون المنفعة عامة لكل الشعب التونسي ذهبت إلى جيوبهم و وضعوها في حساباتهم البنكية بالخارج بحسب المصادر الإعلامية و بعض الوثائق التي نسمع بها بين الفتنة و الأخرى و مثلما يقول النظام التونسي بالكاد تمكن من تسديد الديون الخارجية التي تسببوا فيها.
و أستأنف حديثي عن “ماركس ” ذلك الفيلسوف الكبير العاشق للرياضيات و الذي عاش حالة البؤس ووالفقر والخصاصة و الحرمان لولا إخلاص رفيق دربه أنجلس له و وقوفه إلى جانبه حتى آخر رمق من حياته و هو في إطار و سياق ما أراه تجنيا من كوادر النهضة و ادعاءات أخرى أفهمها من كلامهم و أنهم يتفلسفون في الحياة و يمتلكون زادا معرفيا كبيرا فلو كانوا بحق ينهلون من ماركس و صبره و جلده لزهدوا في السلطة و لما ترشح زعيمهم لرئاسة مجلس النواب رغم تحذيرات الكثير من المحنكين السياسيين و الملاحظين و المتابعين للشأن العام و لكان توقع الأسوأ لما قد يحدث بعد ترشح رئيسة الحزب الدستوري عبير موسي كنائبة. و كانت النتيجة سيئة جدا حيث تعكرت الأجواء بشكل غير مقبول و غير مسبوق تحت قبة البرلمان مما شكل وصمة عار لديموقراطية في مراحلها الجنينية و اتهم الإثنان كونهما المتسببان في ذلك ” العفن السياسي” أيضا و أعطيا صورة حقيقية عن مقدار و حجم الحقد الدفين بين المنظومة التجمعية السابقة و تيار الإسلام السياسي.
لقد حلم كثيرا الغنوشي بالحكم و لم يكن مقتنعا بمنصب زعيم للحركة و هو الذي كان يسير دفة الحكم من بعيد. لقد أسالت السلطة و بهرجها و ملذاتها و مغرياتها لعابه و جعلته يلهث و راءها غير مبال بسنه و لا بصحته و حتى عندما أزاحته الإرادة الشعبية التونسية المسنودة من الجيش الوطني لم يعلن اعتزاله للعمل السياسي و البرلماني و كان بإمكانه أن يفعل و يخرج منتصرا !. لقد تصرف بغباء سياسي و بتعنت و أخطأ كثيرا في حساباته و تقديراته و تكتيكاته فقد كان عليه أن يرتاح في بيته مع عودته إلى أرض الوطن بعد أن ألغيت الأحكام القضائية الصادرة في شأنه بمفعول ثورة 2011 و لا أزال أتذكر سؤال مذيع تونسي بالجزيرة لرئيس الحكومة محمد الغنوشي مباشرة بعد مغادرة زين العابدين بن علي للبلاد هل يمكن للغنوشي المعارض المقيم في لندن أن يعود لوطنه ؟ فأجابه على الفور بنعم !.
اليوم، علينا أن نعترف أننا يجب أن نقف متساوين و سواسية أمام قوة العدالة و القانون و هو الشعار الذي يرفعه الرئيس و عليه أن يعمل على تطبيقه من ذلك أن” أفلاطون” يؤكد على ذلك في ديالكتيكيته عندما يدعو إلى الحاكم أو السياسي الفيلسوف بحسب ما ورد في كتابات البروفيسور فتحي التريكي. و أردف قائلا أن على الرئيس و وزير العدل أن يعملا مسنودين بشيوخ الزيتونة و علمائنا و لأنه من الحقيقة القول بأن الدولة التونسية قد مكنتهم إعلاميا و ثقافيا من نشر الدعوة و بث العلم الشرعي في قلوب المواطنين دون وجود لفيتو سياسي و هذا يحسب لحكومتنا!.
شخصيا، أحس بنخوة و بسرور و فخر و اعتزاز و أنا أشاهدهم و أتابعهم بانتباه و اهتمام لأنني احس بسعادة في بلد ازدهر و أينع فيه العلم و المعرفة و الأدب في أول جامعة إسلامية في فترة ما و أملنا أن يعود ذلك المدد من الله تعالى.
و أواصل مع خيبات النهضة و ما تركته من مساوئ كثيرة : فلقد تركت أذيالها في كل إدارة و في كل وزارة و عمقت من أزمة الإدارة و الاقتصاد و عطلت دواليب الدولة بسبب البيروقراطية و تحالفت مع اللوبيات و الخطرين على مسار الإصلاح و عملت بمقولة ” عدو عدوي صديقي ” فشبكة المتحالفين تمتد من السياسيين إلى منظمات المجتمع المدني المتهمة بالفساد المالي و التآمر على أمن الدولة أيضا عبر التخابر و هذا الأمر ليس بالجديد و لا المستغرب!. هؤلاء الذين تدافع عنهم قناة فرانس 24 ، و تروج لهم و تنشر عنهم كل الأخبار و تعتبرهم ناشطي حقوق إنسان بينما أغلبهم نكرة و لم نسمع بهم من قبل يتبنون هذا النهج فالحق مطلوب لذاته و الطريق إليه وعر و صعب كما يقول أحد علماء المسلمين العظام.
إن كل هذه المؤسسات و كل عديد المسئولين السابقين و حتى البعض من الحاليين يحاولون عنوة في الخفاء و في العلن تلويث الحياة السياسية و جعلها مقرفة و جالبة للكآبة و السلاح السحري و الوحيد في وجه من يمارسون مختلف أنواع و أشكال الإرهاب و خلاياه النائمة و الصامتة في وجه العاصفة هو ” الوحدة الصماء” .
لقد كنت متيقنا و على قناعة تامة لما يدور في عقول و كواليس بعض مدبري و مخططي العمل السياسي العربي و إعلامهم الموجه ضدنا عندما كتبت مقالا عن ما يلي الحرب على إيران و تحويل قطر و زمرتها البوصلة صوب تونس و هو دليل إفلاس سياسي لهذه الإمارة التي تبث الفتنة و تلعب على حبلين كما يقال و أحينا أخرى تصطاد في الماء العكر!
رسالتي إلى الشعب التونسي و اخاطب الوعي الجمعي و اللوغوس بالمعنى اليوناني :” توكل على الله تعالى في كل أمورك. كن فطنا فلا يجب أن تنطلي عليك الخدع و الحيل و الأكاذيب و كن حذرا و تسلح بالإيمان و الصبر و الإرادة و العزيمة و كن عقلانيا فالفتنة أشد من القتل و كن عونا للرئيس الذي يسعى مهما أخطأ أو قصر في شيء ما لأنه يسعى جاهدا للإصلاح و ما التوفيق إلا من عند الله. و أختم بموعظة عظيمة مستوحاة من القرآن الكريم : و إن جنحوا للسلم فاجنح لها . و قوله تعالى أيضا : و الصلح خير . و شعر عنترة العبسي : و أعف عند المغنم. “





