موسم الزيتون : الفلاح التونسي أمام معركة الأسعار… بقلم : محمد جمال الشرفي.
مع انطلاق موسم جني الزيتون 2026-2027، تجد تونس نفسها أمام محطة اقتصادية وفلاحية بالغة الأهمية، ليس فقط باعتبار زيت الزيتون أحد أبرز منتجاتها الاستراتيجية، بل لأن هذا الموسم يأتي في ظل تجاذبات السوق العالمية ومحاولات التأثير في أسعار شراء الزيتون وزيت الزيتون، بما قد يضع الفلاح التونسي مرة أخرى أمام معادلة غير عادلة: يتحمل وحده أعباء الإنتاج وارتفاع تكاليف اليد العاملة والأسمدة والنقل والعناية بالأرض، بينما ينتظر الوسطاء والمصدرون تحقيق الأرباح على حساب جهده وتعبه.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم إلى كل فلاح تونسي واضحة: التريث، ثم التريث، وعدم التسرع في بيع المحصول بأسعار هزيلة لا تعكس قيمته الحقيقية ولا تغطي مصاريف إنتاجه.
فالزيتون ليس مجرد محصول موسمي يمكن التخلص منه بأي ثمن، وزيت الزيتون التونسي ليس سلعة عادية تخضع لإملاءات الوسطاء والمضاربين. إنه ثروة وطنية، ونتاج أشهر طويلة من العمل والصبر والاستثمار، ومن حق الفلاح أن يحصل على سعر عادل يضمن له مواصلة نشاطه ويحفظ كرامته وقدرته على الإنتاج في المواسم القادمة.
إن ما يحدث في سوق زيت الزيتون بالمتوسط يستحق قراءة متأنية. فإسبانيا وإيطاليا، باعتبارهما من أبرز الفاعلين في تجارة زيت الزيتون العالمية، تمتلكان إمكانيات تجارية وصناعية وتسويقية ضخمة، وتتمتعان بنفوذ كبير في تحديد اتجاهات السوق. كما أن علاقاتهما بشبكات التكرير والتعبئة والتوزيع تمنحهما قدرة واسعة على التأثير في سلاسل القيمة. وفي ظل هذه المعادلة، قد يجد المنتج التونسي نفسه مضطراً إلى بيع زيته الخام بأسعار منخفضة، ليعاد تسويقه وتعبئته لاحقاً في أسواق أخرى بقيمة تجارية أعلى.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: تونس تنتج الزيت، والفلاح التونسي يتحمل مشقة زراعته وجنيه، لكن القيمة المضافة الكبرى قد تتحقق خارج حدودها، لدى من يمتلكون أدوات التصنيع والتعبئة والتسويق والعلامات التجارية العالمية.
ولذلك، فإن الحديث عن الضغط على الأسعار والمنافسة في الأسواق المتوسطية يجب أن يكون موضوعاً للنقاش والتحليل، دون التسليم بأن كل انخفاض في الأسعار مؤامرة أو أن كل تحرك تجاري إسباني أو إيطالي يستهدف تونس مباشرة. لكن من حق الفلاح التونسي أن يتساءل: لماذا يباع الزيت الخام أحياناً بأسعار لا تتناسب مع قيمته في الأسواق النهائية؟ ومن المستفيد من استمرار ضعف موقع المنتج التونسي في سلسلة التصدير؟
إن التريث في البيع قد يكون أحد أهم الأوراق التي يمتلكها الفلاحون لتحسين قدرتهم التفاوضية، خصوصاً إذا كانت ظروف التخزين والجودة والسيولة تسمح بذلك. فحين يتسرع المنتجون في عرض محاصيلهم بكميات كبيرة، وفي الوقت نفسه، يصبح المشتري في موقع أقوى لفرض السعر الذي يناسب مصالحه. أما عندما يكون العرض منظماً ومدروساً، وتكون هناك قدرة على تخزين الزيتون أو تحويله سريعاً إلى زيت وفق شروط الجودة والسلامة، فإن هامش التفاوض يمكن أن يتحسن.
ومن هنا، فإننا ندعو الفلاحين إلى عدم الانجرار وراء حملات التخويف أو الدعايات التي قد تصدر عن بعض الأطراف التجارية والمصدرين، وخاصة عندما يكون هناك ضغط لقبول أسعار متدنية بحجة وفرة الإنتاج أو تراجع الطلب العالمي. كما ينبغي التعامل بحذر مع مصالح بعض الوسطاء والممولين الأجانب الذين قد تكون لهم ارتباطات تجارية بمصالح التعبئة والتوزيع في إسبانيا وإيطاليا. فليس كل من يدعو إلى البيع السريع يقدم بالضرورة مصلحة الفلاح على مصلحته التجارية.
لكن التريث لا يعني الامتناع العشوائي عن البيع، ولا يعني الدخول في مغامرة قد تضر بالفلاح بسبب تكاليف التخزين أو تراجع الجودة أو حاجته إلى السيولة. المطلوب هو وعي جماعي، وتنسيق بين المنتجين، والاطلاع على الأسعار الحقيقية في الأسواق الدولية، ومقارنة عروض الشراء بتكاليف الإنتاج الفعلية، حتى لا يتحول التريث إلى خسارة جديدة.
وتزداد أهمية هذا الموقف بالنظر إلى المكانة التي تحتلها تونس في الإنتاج العالمي. فقد شهد الموسم الحالي توقعات إنتاجية مهمة، وتُتداول تقديرات تضع تونس في المرتبة الثانية عالمياً من حيث إنتاج الزيتون وزيت الزيتون. وهي مكانة، إن تأكدت بالأرقام النهائية، يجب أن تتحول إلى قوة تفاوضية حقيقية، لا إلى مجرد رقم يُستعمل للتفاخر الإعلامي بينما يظل الفلاح عاجزاً عن بيع محصوله بسعر منصف.
فكيف يمكن لبلد يحتل مراتب متقدمة في إنتاج زيت الزيتون أن يبقى في موقع ضعيف أمام الأسواق الخارجية؟ وكيف يمكن أن نقبل بأن تكون تونس مصدراً مهماً للزيت الخام، دون أن تستثمر بما يكفي في التصنيع والتعبئة والترويج للعلامات التجارية التونسية؟
إن الحل لا يكمن في انتظار ارتفاع الأسعار وحده، بل في تغيير طريقة تعاملنا مع هذه الثروة. على الدولة أن توفر المعلومة الدقيقة حول الأسعار العالمية، وأن تراقب مسالك التصدير والممارسات الاحتكارية إن وجدت، وأن تدعم إمكانيات التخزين والتصنيع، وأن تشجع الفلاحين على تكوين هياكل تعاونية تمنحهم قدرة أكبر على التفاوض. كما يجب أن تتعزز سياسة تصدير الزيت المعلب والمعبأ بعلامات تونسية، حتى لا تبقى القيمة المضافة حكراً على الآخرين.
أيها الفلاح التونسي، لا تجعل تعب سنة كاملة يضيع تحت ضغط موسم البيع. لا تقبل بسعر لا يغطي تكاليف إنتاجك، ولا تتخذ قرارك بناءً على الإشاعات أو التخويف أو استعجال الوسطاء. اعرف قيمة محصولك، تابع تطورات السوق، وتفاوض على أساس الأرقام والمعطيات لا على أساس الحاجة والضغط.
إن زيت الزيتون التونسي ثروة وطنية، والفلاح هو الحلقة الأساسية في إنتاجها، ومن غير المقبول أن يتحمل وحده المخاطر بينما تتقاسم بقية الحلقات الأرباح.
موسم 2026-2027 يجب أن يكون موسم وعي وتنظيم وتفاوض، لا موسم بيع متسرع وندم متأخر.
التريث ثم التريث… فالذهب الأخضر التونسي يستحق سعراً عادلاً، والفلاح التونسي يستحق أن يجني ثمار تعبه، لا أن يكون الحلقة الأضعف في سوق يتحكم فيها الأقوى.
ملاحظة تحريرية: صغتُ مسألة التلاعب الإسباني والإيطالي باعتبارها مخاوف وممارسات تجارية تستحق التحقيق، لا كحقيقة مثبتة. كما أن ترتيب تونس العالمي للموسم 2026-2027 يحتاج إلى تأكيد بالأرقام الرسمية النهائية، لذلك تجنبت تقديمه كحقيقة محسومة.




