أزمتُنا هي  نتيجة لنموذج اقتصادي وصل إلى نهايته…. حاسم  كمّون

أزمتُنا هي نتيجة لنموذج اقتصادي وصل إلى نهايته…. حاسم كمّون

29 ماي 2026، 20:45

تحوّلت مسألة القدرة الشرائية في الخطاب العام التونسي إلى أرض خصبة للتفسيرات السطحية؛ حيث تُلقى اللائمة باستمرار على الاحتكار، وجشع التجار، أو تدني الأجور لتفسير هذا الانهيار المستمر.
ورغم أن هذه التجاوزات موجودة بالفعل، إلا أنها تحجب الحقيقة الأعمق: أزمتنا ليست مجرد عارض ظرفي، بل هي العَرَض الظاهر لنموذج اقتصادي وصل إلى نهايته..
تكمن العلة الهيكلية الأولى للاقتصاد التونسي في تبعيته الحرجة للأسواق العالمية. فالبلاد تستورد جزءاً رئيسياً مما تستهلكه وما تحتاجه للإنتاج: من طاقة، وحبوب، وأعلاف، ومدخلات صناعية، ومواد تغليف.
هذه الوضعية حوّلت اقتصادنا الوطني إلى صدى للاضطرابات الدولية، مما خلق حالة من “التضخم المستورد الدائم”.
فبمجرد أن ترتفع الأسعار العالمية للطاقة أو المواد الأولية أو الشحن، يتسرب هذا الارتفاع فوراً إلى تكلفة إنتاج المصانع والمزارع المحلية. حتى “المنتج التونسي” أصبح يحتوي في تركيبته على نسبة كبرى من المكونات الأجنبية، مما يجعل ارتفاع الأسعار على الرفوف أمراً ميكانيكياً لا تجدي معه الرقابة الإدارية نفعاً.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في ملصقات الأسعار، بل في عجزنا الجماعي عن خلق ثروة حقيقية. على المدى الطويل،
تعتبر القدرة الشرائية المرآة العاكسة لمستوى الإنتاجية. ومع ذلك، يواجه جهاز الإنتاج التونسي عوائق تاريخية كبرى:
بيروقراطية ثقيلة تحبط المبادرات الفردية والاستثمار.
نقص مزمن في الاستثمار لتحديث الآليات الصناعية.
تشتت لوجستي داخلي يرفع كلفة النقل بين الجهات.
نزيف مستمر للكفاءات نحو الخارج.
وفي غياب تطور الإنتاجية، ترتفع أعباء الشركات بشكل أسرع من القيمة المضافة التي تخلقها، ليكون تجميد المداخيل الحقيقية للمواطنين النتيجة المباشرة لتوقف عجلة النمو هذه.
تصطدم أزمة العرض هذه بتحول عميق في طبيعة الطلب؛ إذ باتت ميزانيات الأسر التونسية مثقلة بـمصاريف حتمية ولا يمكن تقليصها: سكن حضري باهظ الثمن، صحة، تعليم خاص (لتعويض نقائص القطاع العام)، وتكاليف النقل. هذا الوضع أدى إلى انهيار “الهامش المتبقي للعيش”، خاصة مع تطور التطلعات الاستهلاكية المدفوعة بالعولمة الرقمية، والتي انفصلت تماماً عن الواقع الإنتاجي للبلاد.
إن محاولة حل أزمة غلاء المعيشة بالاكتفاء بالمراقبة الأمنية للمسالك التجارية أو بالتمسك بمنظومة دعم غير موجهة، هي وهم خطير. فهذه الإجراءات قد تسكن الحمى مؤقتاً لكنها لا تعالج المرض.
إن معركة استعادة القدرة الشرائية في تونس لن تُحسم في أسواق التجزئة برفع المخالفات، بل في المصانع والحقول. إنها تتطلب تبسيطاً إدارياً، وتحديثاً لوجستياً، وتطويراً للصناعة، وضخاً حقيقياً للاستثمارات. ففي علم الاقتصاد، لا يمكن إنقاذ الاستهلاك المستدام إذا نسينا إعادة بناء الإنتاج.

مواضيع ذات صلة