العمى السياسي في شمال أفريقيا…بقلم : محمد جمال الشرفي.

العمى السياسي في شمال أفريقيا…بقلم : محمد جمال الشرفي.

14 أوت 2026، 21:15

بين النزعة الطبيعية والولاء وغياب الديمقراطية ..يُطرح سؤال يوميًا في شوارع دول شمال افريقيا، سؤالٌ لا يُنطق به جهرًا، ولكنه حاضر في كل مقهى، وكل بيت، وكل حديث عائلي: لماذا نحن هنا وهم هناك؟
ليس هذا سؤالًا جغرافيًا، بل هو سؤالٌ عن الحرية والكرامة والحق في العيش في وطنٍ يحترمك. لكنّ الأمر الأكثر غرابة هو أن الكثيرين، أمام هذا السؤال، لا يبحثون عن إجابة، بل عن تبرير لصمتهم.
هذا ما يُسمى بالعمى السياسي، وهو ليس نقصًا في المعلومات، بل رفضٌ لرؤية البديهيات.
ربما بدت النزعة الطبيعية، أي قبول الواقع كقدرٍ لا مفر منه، منطقيةً في زمنٍ لم يكن فيه بديل. لكن اليوم، حين نرى دولًا أخرى تُحاسب حكوماتها، وتُصلحها، وتُعزز مؤسساتها، لم يعد قبول الإذلال سذاجة، بل خيارًا. إن النزعة الطبيعية في السياسة تعني التوقف عن التساؤل. فالصمت يعني التخلي عن السيطرة على حياة المرء لمن يُسائلون نيابةً عنه، وهم في الغالب من يستفيدون من صمتنا.
لشمال أفريقيا تاريخ طويل من النضال. قاومت شعوبها الاستعمار وطردته. لكن ما تلا ذلك كان أحيانًا أشد إيلامًا من الاستعمار نفسه، لأن من استولوا على السلطة حافظوا على الشكل لا الجوهر. أبقوا على العلم والنشيد الوطني والحدود، لكنهم تركوا وراءهم بنية الهيمنة والخوف والإقصاء.
الولاء مفهوم جميل في حد ذاته. فنحن نحب وطننا وندافع عنه. لكن ثمة فرق جوهري بين الولاء للوطن والولاء للسلطات القائمة. فعندما يتداخل هذان المفهومان في الوعي الجمعي، يصبح أي نقد للحكومة خيانة. هذا الخلط ليس وليد اللحظة؛ تُصاغ هذه الأفكار بعناية وتُعاد صياغتها في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام والخطاب الديني.
في هذا السياق، يصبح التعبير عن الحقوق أمرًا مشكوكًا فيه. يُتهم كل من يُطالب بحقوقه بزعزعة استقرار البلاد، وخدمة مصالح أجنبية، والتآمر ضد الوحدة الوطنية. وهكذا تكتمل الدائرة. لا يسعنا الصمت لأن الفساد ينخر فينا، ولا نستطيع التحدث علنًا لأن ذلك يُهدد حريتنا.
الديمقراطية الحقيقية لا تقتصر على الانتخابات. فالانتخابات التي لا تضمن حرية الصحافة واستقلال القضاء وحماية المعارضة ليست سوى مسرحية مُكلفة. لقد أجرت شمال أفريقيا انتخابات لعقود، لكن المساءلة الحقيقية نادرة. الديمقراطية الحقيقية تعني أن تخشى الحكومة الشعب، لا العكس.
هنا يبرز التملق. إنه ظاهرة أعمق من مجرد الثناء الرسمي. التملق نظام اجتماعي قائم بذاته، يُولد رضا زائفًا. عندما ينتفض مواطن عادي للدفاع عن سياسة أفقرته، وعندما يهاجم من يطالبون بحقوقهم باسم الوطن والدين والمبادئ، وعندما يصبح المدافع عن القائد أشدّ ضراوةً منه، فإننا نواجه ما يُمكن تسميته بالشعبوية الدفاعية.
إنها شعبوية معكوسة. ليس القادة هم من يغوون الجماهير، بل الجماهير هي من تحرضهم على التشبث بالسلطة. يبرر الناس أخطاءهم، ويفسرون إخفاقاتهم بنظريات المؤامرة، ويقدمون ولاءهم كتضحية مجانية، دون انتظار مقابل. هذا النوع من الخضوع الطوعي هو الأخطر لأنه يجعل أي تغيير داخلي مستحيلاً.
لماذا يحدث هذا؟ لا يكمن الجواب في الجهل الجماعي، بل في نظام يُولّد الخوف والتبعية الاقتصادية وهشاشة الهوية. عندما يرتبط مصير الفرد بقرارات الدولة، وعندما يعتمد العمل وسبل العيش والأمن على الولاء لا الكفاءة، وعندما تغيب مؤسسات المجتمع المدني القوية لحماية الفرد، يصبح الخضوع عقلانياً. إنه ليس جهلاً، بل حسابات.
لكن ثمة ما هو أعمق من مجرد حسابات فردية. أزمة هوية تهز هذه المجتمعات. إنها شعوب ذات حضارات عريقة عانت من صدمة الاستعمار، ثم خيبة أمل ما بعد الاستقلال، وأخيراً فوضى محاولات التحرير الفاشلة. هذا التاريخ يترك ندبة نفسية جماعية. الشخص الذي جُرحت هويته بشدة يسعى إلى الاستقرار، حتى لو كان استقرار الخضوع. يتشبث بقائد، أو رمز، أو بحسابات مصيرية.

مواضيع ذات صلة